محمد بن جرير الطبري
426
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
بعض جند أهل خراسان نظر إلى دابه كانت أخذت منه في وقعه سليمان بن أبي جعفر تحت بعض الزواقيل ، فتعلق بها ، فجرى الأمر بينهما إلى أن اختلفا ، واجتمعت جماعه من الزواقيل والجند ، فتلاحموا ، وأعان كل فريق منهم صاحبه ، وتلاطموا وتضاربوا بالأيدي ، ومشى بعض الأبناء إلى بعض ، فاجتمعوا إلى محمد بن أبي خالد ، فقالوا : أنت شيخنا وفارسنا ، وقد ركب الزواقيل منا ما قد بلغك ، فاجمع أمرنا والا استذلونا ، وطمعوا فينا ، وركبوا بمثل هذا في كل يوم فقال : ما كنت لادخل في شغب ، ولا اشاهدكم على مثل الحالة فاستعد الأبناء وتهيئوا ، وأتوا الزواقيل وهم غارون ، فوضعوا فيهم السيوف ، فقتلوا منهم مقتله عظيمه وذبحوهم في رحالهم ، وتنادى الزواقيل ، فركبوا خيولهم ، ولبسوا أسلحتهم ، ونشبت الحرب بينهم وبلغ ذلك عبد الملك بن صالح ، فوجه إليهم رسولا يأمرهم بالكف ووضع السلاح ، فرموه بالحجارة ، واقتتلوا يومهم ذلك قتالا شديدا ، وأكثرت الأبناء القتل في الزواقيل ، فأخبر عبد الملك بكثرة من قتل - وكان مريضا مدنفا - فضرب بيده على يد ، ثم قال : وا ذلاه ! تستضام العرب في دارها ومحلها وبلادها ! فغضب من كان امسك عن الشر من الأبناء ، وتفاقم الأمر فيما بينهم ، وقام بأمر الأبناء الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان ، وأصبح الزواقيل ، فاجتمعوا بالرقة ، واجتمع الأبناء وأهل خراسان بالرافقة ، وقام رجل من أهل حمص ، فقال : يا أهل حمص ، الهرب أهون من العطب ، والموت أهون من الذل ، انكم بعدتم عن بلادكم ، وخرجتم من اقاليمكم ، ترجون الكثرة بعد القلة والعزة بعد الذلة ! الا وفي الشر وقعتم ، وإلى حومه الموت انختم ان المنايا في شوارب المسودة وقلانسهم النفير النفير ، قبل ان ينقطع السبيل ، وينزل الأمر الجليل ، ويفوت المطلب ، ويعسر المذهب ، ويبعد العمل ، ويقترب الأجل ! وقام رجل من كلب في غرز ناقته ، ثم قال : شؤبوب حرب خاب من يصلاها * قد شرعت فرسانها قناها