محمد بن جرير الطبري

409

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

يتولى الأمر دونه ، وقالوا : ان مقامك بمدينه الري ارفق بأصحابك ، وأقدر لهم على الميرة ، وأكن من البرد ، واحرى ان دهمك قتال ان يعتصموا بالبيوت ، وتقوى على المماطله والمطاوله ، إلى أن يأتيك مدد ، أو ترد عليك قوه من خلفك فقال طاهر : ان الرأي ليس ما رأيتم ، ان أهل الري لعلى هائبون ، ومن معرته وسطوته متقون ، ومعه من قد بلغكم من اعراب البوادي وصعاليك الجبال ولفيف القرى ، ولست آمن ان هجم علينا مدينه الري ان يدعو أهلها خوفهم إلى الوثوب بنا ، ويعينوه على قتالنا ، مع أنه لم يكن قوم قط روعبوا في ديارهم ، وتورد عليهم عسكرهم الا وهنوا وذلوا ، وذهب عزهم ، واجترأ عليهم عدوهم وما الرأي الا ان نصير مدينه الري قفا ظهورنا ، فان أعطانا الله الظفر ، والا عولنا عليها فقاتلنا في سككها ، وتحصنا في منعتها إلى أن يأتينا مدد أو قوه من خراسان قالوا : الرأي ما رايت فنادى طاهر في أصحابه فخرجوا فعسكروا على خمسه فراسخ من الري بقرية يقال لها كلواص ، وأتاه محمد بن العلاء فقال : أيها الأمير ، ان جندك قد هابوا هذا الجيش ، وامتلأت قلوبهم خوفا ورعبا منه ، فلو أقمت بمكانك ، ودافعت القتال إلى أن يشامهم أصحابك ، ويأنسوا بهم ، ويعرفوا وجه الماخذ في قتالهم ! فقال : لا ، انى لا اوتى من قله تجربه وحزم ، ان أصحابي قليل ، والقوم عظيم سوادهم كثير عددهم ، فان دافعت القتال ، وأخرت المناجزة لم آمن ان يطلعوا على قلتنا وعورتنا ، وان يستميلوا من معي برغبه أو رهبه ، فينفر عنى أكثر أصحابي ، ويخذلني أهل الحفاظ والصبر ، ولكن الف الرجال بالرجال ، والحم الخيل بالخيل ، واعتمد على الطاعة والوفاء ، واصبر صبر محتسب للخير ، حريص على الفوز بفضل الشهادة ، فان يرزق الله الظفر والفلج فذلك الذي نريد ونرجو ، وان تكن الأخرى ، فلست بأول من قاتل فقتل ، وما عند الله اجزل وأفضل . وقال على لأصحابه : بادروا القوم ، فان عددهم قليل ، ولو زحفتم إليهم لم يكن لهم صبر على حراره السيوف وطعن الرماح وعبا جنده ميمنه