محمد بن جرير الطبري
385
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
كتبه ! فقال له محمد : ان رأى الرشيد كان فلته شبهها عليه جعفر بن يحيى بسحره ، واستماله برقاه وعقده ، فغرس لنا غرسا مكروها لا ينفعنا ما نحن فيه معه الا بقطعه ، ولا تستقيم لنا الأمور الا باجتثاثه والراحة منه فقال : اما إذا كان رأى أمير المؤمنين خلعه ، فلا يجاهره مجاهره فيستنكرها الناس ، ويستشنعها العامة ، ولكن تستدعى الجند بعد الجند والقائد بعد القائد ، وتؤنسه بالألطاف والهدايا ، وتفرق ثقاته ومن معه ، وترغبهم بالأموال ، وتستميلهم بالاطماع ، فإذا أوهنت قوته ، واستفرغت رجاله ، امرته بالقدوم عليك ، فان قدم صار إلى الذي تريد منه ، وان أبى كنت قد تناولته وقد كل حده وهيض جناحه ، وضعف ركنه وانقطع عزه فقال محمد : ما قطع امرا كصريمه ، أنت مهذار خطيب ، ولست بذى رأى ، فزل عن هذا الرأي إلى الشيخ الموفق والوزير الناصح ، قم فالحق بمدادك واقلامك ، قال يحيى : فقلت : غضب يشوبه صدق ونصيحه ، أشرت إلى رأى يخلطه غش وجهل قال : فوالله ما ذهبت الأيام حتى ذكر كلامه ، وقرعه بخطئه وخرقه . قال سهل بن هارون : وقد كان الفضل بن سهل دس قوما اختارهم ممن يثق به من القواد والوجوه ببغداد ليكاتبوه بالاخبار يوما يوما ، فلما هم محمد بخلع المأمون ، بعث الفضل بن الربيع إلى أحد هؤلاء الرجال يشاوره فيما يرى من ذلك ، فعظم الرجل عليه امر نقض العهد للمأمون ، وقبح الغدر به . فقال له الفضل : صدقت ، ولكن عبد الله قد احدث الحدث الذي وجب به نقض ما أخذ الرشيد له قال : ا فتثبت الحجة عند العوام بمعلوم حدثه كما تثبت الحجة بما جدد من عهده ! قال : لا ، قال : ا فحدث هذا منكم يوجب عند العامة نقض عهدكم ما لم يكن حدثه معلوما يجب به فسخ عهده ! قال : نعم ، قال الرجل - ورفع صوته : بالله ما رايت كاليوم رأى رجل يرتاد به النظر ، يشاور في رفع ملك في يده بالحجة ثم يصير إلى مطالبته بالعناد والمغالبة ! قال : فاطرق الفضل مليا ، ثم قال : صدقتني الرأي ، واحتملت ثقل الأمانة ، ولكن أخبرني ان نحن أغمضنا من قاله العامة ووجدنا مساعدين