محمد بن جرير الطبري

343

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

مهموما ، فوقفت بين يديه مليا من النهار ، وهو على تلك الحال ، فلما طال ذلك أقدمت عليه ، فقلت : يا سيدي ، جعلني الله فداك ! ما حالك هكذا ، عله فأخبرني بها ، فلعله يكون عندي دواؤها ، أو حادثه في بعض من تحب فذاك ما لا يدفع ولا حيله فيه الا التسليم والغم ، لأدرك فيه ، أو فتق ورد عليك في ملكك ، فلم تخل الملوك من ذلك ، وانا أولى من أفضيت اليه بالخبر ، وتروجت اليه بالمشورة فقال : ويحك يا جبريل ! ليس غمى وكربى لشيء مما ذكرت ، ولكن لرؤيا رايتها في ليلتي هذه ، وقد أفزعتني وملأت صدري ، واقرحت قلبي ، قلت : فرجت عنى يا أمير المؤمنين ، فدنوت منه ، فقبلت رجله ، وقلت : ا هذا الغم كله لرؤيا ! الرؤيا انما تكون من خاطر أو بخارات رديئه أو من تهاويل السوداء ، وانما هي أضغاث أحلام بعد هذا كله قال : فاقصها عليك ، رايت كأني جالس على سريري هذا ، إذ بدت من تحتى ذراع اعرفها وكف اعرفها ، لا افهم اسم صاحبها ، وفي الكف تربه حمراء ، فقال لي قائل اسمعه ولا أرى شخصه : هذه التربة التي تدفن فيها ، فقلت : واين هذه التربة ؟ قال : بطوس وغابت اليد وانقطع الكلام ، وانتبهت فقلت : يا سيدي ، هذه والله رؤيا بعيده ملتبسة ، أحسبك أخذت مضجعك ، ففكرت في خراسان وحروبها وما قد ورد عليك من انتقاض بعضها قال : قد كان ذاك ، قال : قلت : فلذلك الفكر خالطك في منامك ما خالطك ، فولد هذه الرؤيا ، فلا تحفل بها جعلني الله فداك ! واتبع هذا الغم سرورا ، يخرجه من قلبك لا يولد عله قال : فما برحت أطيب نفسه بضروب من الحيل ، حتى سلا وانبسط ، وامر باعداد ما يشتهيه ، ويزيد في ذلك اليوم في لهوه . ومرت الأيام فنسي ، ونسينا تلك الرؤيا ، فما خطرت لأحد منا ببال ، ثم قدر مسيره إلى خراسان حين خرج رافع ، فلما صار في بعض الطريق ، ابتدأت به العلة فلم تزل تتزايد حتى دخلنا طوس ، فنزلنا في منزل الجنيد بن