محمد بن جرير الطبري
334
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
ولما صرت من مدينه مرو على منزل ، اخترت عده من ثقات أصحابي ، وكتبت بتسميه ولد علي بن عيسى وكتابه وأهل بيته وغيرهم رقاعا ، ودفعت إلى كل رجل منهم رقعه باسم من وكلته بحفظه في دخولي ، ولم آمن لو قصرت في ذلك واخرته ان يصيروا عند ظهور الخبر وانتشاره إلى التغيب والانتشار ، فعملوا بذلك ، ورحلت عن موضعي إلى مدينه مرو ، فلما صرت منها على ميلين تلقاني علي بن عيسى في ولده وأهل بيته وقواده ، فلقيته بأحسن لقاء ، وآنسته ، وبلغت من توقيره وتعظيمه والتماس النزول اليه أول ما بصرت به ما ازداد به أنسا وثقة ، إلى ما كان ركن اليه قبل ذلك ، مما كان يأتيه من كتبي ، فإنها لم تنقطع عنه بالتعظيم والإجلال منى له والالتماس ، لالقاء سوء الظن عنه ، لئلا يسبق إلى قلبه امر ينتقض به ما دبر أمير المؤمنين في امره ، وأمرني به في ذلك وكان الله تبارك وتعالى هو المنفرد بكفاية أمير المؤمنين الأمر فيه إلى أن ضمني وإياه مجلسه ، وصرت إلى الاكل معه ، فلما فرغنا من ذلك بدأني يسألني المصير إلى منزل كان ارتاده لي ، فأعلمته ما معي من الأمور التي لا تحتمل تأخير المناظرة فيها ثم دفع اليه رجاء الخادم كتاب أمير المؤمنين وابلغه رسالته ، فعلم عند ذلك ان قد حل به الأمر الذي جناه على نفسه ، وكسبته يداه ، من سخط أمير المؤمنين ، وتغير رايه بخلافه امره وتعديه سيرته ثم صرت إلى التوكيل به ، ومضيت إلى المسجد الجامع ، فبسطت آمال الناس ممن حضر ، وافتتحت القول بما حملني أمير المؤمنين إليهم ، وأعلمتهم اعظام أمير المؤمنين ما أتاه ، ووضح عنده من سوء سيره على ، وما أمرني به فيه وفي عماله وأعوانه ، وانى بالغ من ذلك ومن انصاف العامة والخاصة والأخذ لهم بحقوقهم أقصى غايتهم وأمرت بقراءة عهدي عليهم ، وأعلمتهم ان ذلك مثالي وامامي ، وانى به اقتدى ، وعليه احتذى ، فمتى زلت عن باب واحد من أبوابه فقد ظلمت نفسي ، وأحللت بها ما يحل بمن خالف