محمد بن جرير الطبري

326

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

وما ذاك جعلت فداك ! قال : انى أخاف هذا الفاجر علي بن عيسى على دمى ، وقد عزمت على أن اظهر ان الفالج أصابني ، فإذا كان في السحر فاجمعى جواريك ، وتعالى إلى فراشي وحركينى ، فإذا رايت حركتي قد ثقلت ، فصيحى أنت وجواريك ، وابعثي إلى اخوتك فاعلميهم علتي وإياك ثم إياك ان تطلعي على صحه بدني أحدا من خلق الله من قريب أو بعيد ففعلت - وكانت عاقله حازمه - فأقام مطروحا على فراشه حينا لا يتحرك الا ان حرك ، فيقال انه لم يعلم من أهل خراسان أحد من عزل علي بن عيسى بخبر ولا اثر غير هشام ، فإنه توهم عزله ، فصح توهمه . ويقال : انه خرج في اليوم الذي قدم فيه هرثمة لتلقيه ، فرآه في الطريق رجل من قواد علي بن عيسى ، فقال : صح الجسم ؟ فقال : ما زال صحيحا بحمد الله ! وقال بعضهم : بل رآه علي بن عيسى ، فقال : اين بك ؟ فقال : ا تلقى أميرنا أبا حاتم ، قال : ا لم تكن عليلا ؟ قال : بلى ، فوهب الله العافية ، وعزل الله الطاغيه في ليله واحده واما الحسين بن مصعب فإنه خرج إلى مكة مستجيرا بالرشيد من علي بن عيسى ، فاجاره . ولما عزم الرشيد على عزل علي بن عيسى دعا - فيما بلغني - هرثمة بن أعين مستخليا به فقال : انى لم أشاور فيك أحدا ، ولم اطلعه على سرى فيك ، وقد اضطرب على ثغور المشرق ، وانكر أهل خراسان امر علي بن عيسى ، إذ خالف عهدي ونبذه وراء ظهره ، وقد كتب يستمد ويستجيش ، وانا كاتب اليه ، فأخبره انى امده بك ، وأوجه اليه معك من الأموال والسلاح والقوه والعدة ما يطمئن اليه قلبه ، وتتطلع اليه نفسه ، واكتب معك كتابا بخطى فلا تفضنه ، ولا تطلعن فيه حتى تصل إلى مدينه نيسابور ، فإذا نزلتها فاعمل بما فيه ، وامتثله ولا تجاوزه ، إن شاء الله ، وانا موجه معك رجاء الخادم بكتاب اكتبه إلى علي بن عيسى بخطى ، ليتعرف ما يكون منك ومنه ، وهون عليه امر