محمد بن جرير الطبري

288

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ثم امسك عنه ، وخرج يحيى . وذكر عن أحمد بن يوسف ان ثمامة بن أشرس ، قال : أول ما انكر يحيى بن خالد من امره ، ان محمد بن الليث رفع رساله إلى الرشيد يعظه فيها ، ويذكر ان يحيى بن خالد لا يغنى عنك من الله شيئا ، وقد جعلته فيما بينك وبين الله ، فكيف أنت إذا وقفت بين يديه ، فسألك عما عملت في عباده وبلاده ، فقلت : يا رب انى استكفيت يحيى أمور عبادك ! ا تراك تحتج بحجه يرضى بها ! مع كلام فيه توبيخ وتقريع فدعا الرشيد يحيى - وقد تقدم اليه خبر الرسالة - فقال : تعرف محمد بن الليث ؟ قال : نعم ، قال : فأي الرجال هو ؟ قال : متهم على الاسلام ، فامر به فوضع في المطبق دهرا ، فلما تنكر الرشيد للبرامكه ذكره فامر باخراجه ، فاحضر ، فقال له بعد مخاطبه طويله : يا محمد ، ا تحبني ؟ قال : لا والله يا أمير المؤمنين ، قال : تقول هذا ! قال : نعم ، وضعت في رجلي الأكبال ، وحلت بيني وبين العيال بلا ذنب اتيت ، ولا حدث أحدثت ، سوى قول حاسد يكيد الاسلام وأهله ، ويحب الإلحاد وأهله ، فكيف أحبك ! قال : صدقت ، وامر باطلاقه ، ثم قال : يا محمد ، ا تحبني ؟ قال : لا والله يا أمير المؤمنين ، ولكن قد ذهب ما في قلبي ، فامر ان يعطى مائه ألف درهم ، فأحضرت ، فقال : يا محمد ، ا تحبني ؟ قال : اما الان فنعم ، قد أنعمت على ، وأحسنت إلى قال : انتقم الله ممن ظلمك ، وأخذ لك بحقك ممن بعثني عليك قال : فقال الناس في البرامكه فأكثروا ، وكان ذلك أول ما ظهر من تغير حالهم . قال : وحدثني محمد بن الفضل بن سفيان ، مولى سليمان بن أبي جعفر ، قال : دخل يحيى بن خالد بعد ذلك على الرشيد ، فقام الغلمان اليه ، فقال الرشيد لمسرور الخادم : مر الغلمان الا يقوموا ليحيى إذا دخل الدار قال : فدخل فلم يقم اليه أحد ، فاربد لونه قال : وكان الغلمان والحجاب بعد إذا راوه اعرضوا عنه قال : فكان ربما استسقى الشربه من الماء أو غيره ، فلا يسقونه ، وبالحرى ان سقوه ان يكون ذلك بعد ان يدعو بها مرارا