محمد بن جرير الطبري
289
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
وذكر أبو محمد اليزيدي - وكان فيما قيل من اعلم الناس باخبار القوم - قال : من قال إن الرشيد قتل جعفر بن يحيى بغير سبب يحيى ابن عبد الله ابن حسن فلا تصدقه ، وذلك ان الرشيد دفع يحيى إلى جعفر فحبسه ، ثم دعا به ليله من الليالي فسأله عن شيء من امره ، فأجابه ، إلى أن قال : اتق الله في امرى ، ولا تتعرض ان يكون خصمك غدا محمد ص ، فوالله ما أحدثت حدثا ، ولا أويت محدثا فرق عليه ، وقال له : اذهب حيث شئت من بلاد الله قال : وكيف اذهب ولا آمن ان أوخذ بعد قليل فارد إليك أو إلى غيرك ! فوجه معه من أداه إلى مأمنه وبلغ الخبر الفضل بن الربيع ، من عين كانت له عليه من خاص خدمه ، فعلا الأمر ، فوجده حقا ، وانكشف عنده ، فدخل على الرشيد فأخبره ، فأراه انه لا يعبأ بخبره وقال : وما أنت وهذا لا أم لك ! فلعل ذلك عن امرى ، فانكسر الفضل ، وجاءه جعفر فدعا بالغداء فأكلا ، وجعل يلقمه ويحادثه ، إلى أن كان آخر ما دار بينهما ان قال : ما فعل يحيى بن عبد الله ؟ قال : بحاله يا أمير المؤمنين في الحبس الضيق والأكبال قال : بحياتى ! فاحجم جعفر - وكان من أدق الخلق ذهنا ، وأصحهم فكرا - وهجس في نفسه انه قد علم بشيء من امره ، فقال : لا وحياتك يا سيدي ولكن أطلقته وعلمت أنه لا حياه به ولا مكروه عنده قال : نعم ما فعلت ، ما عدوت ما كان في نفسي فلما خرج اتبعه بصره حتى كاد ان يتوارى عن وجهه ، ثم قال : قتلني الله بسيف الهدى على عمل الضلالة ان لم أقتلك ! فكان من امره ما كان . وحدث إدريس بن بدر ، قال : عرض رجل للرشيد وهو يناظر يحيى ، فقال : يا أمير المؤمنين ، نصيحه ، فادع بي إليك ، فقال لهرثمه : خذ الرجل إليك ، وسله عن نصيحته هذه ، فسأله ، فأبى ان يخبره وقال : هي سر من اسرار الخليفة ، فأخبر هرثمة الرشيد بقوله ، قال : فقل له لا يبرح الباب حتى افرغ له ، قال : فلما كان في الهاجره انصرف من كان عنده ، ودعا به ، فقال : أخلني ، فالتفت هارون إلى بنيه ، فقال : انصرفوا يا فتيان ،