محمد بن جرير الطبري

156

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

كانت للسعايه بال على ولم يزل امره يرتفع عند المهدى ويعلو حتى استوزره ، وفوض اليه امر الخلافة ، فأرسل إلى الزيدية ، فاتى بهم من كل أوب ، وولاهم من أمور الخلافة في المشرق والمغرب كل جليل وعمل نفيس ، والدنيا كلها في يديه ، ولذلك يقول بشار بن برد : بنى أمية هبوا طال نومكم * ان الخليفة يعقوب بن داود ضاعت خلافتكم يا قوم فاطلبوا * خليفه الله بين الدف والعود قال : فحسده موالي المهدى ، فسعوا عليه . ومما حظى به يعقوب عند المهدى ، انه استأمنه للحسن بن إبراهيم بن عبد الله ، ودخل بينه وبينه حتى جمع بينهما بمكة قال : ولما علم آل الحسن بن علي بصنيعه استوحشوا منه ، وعلم يعقوب انه ان كانت لهم دوله لم يعش فيها ، وعلم أن المهدى لا يناظره لكثرة السعاية به اليه ، فمال يعقوب إلى إسحاق بن الفضل ، واقبل يربص له الأمور وأقبلت السعايات ترد على المهدى بإسحاق حتى قيل له : ان المشرق والمغرب في يد يعقوب وأصحابه ، وقد كاتبهم ، وانما يكفيه ان يكتب إليهم فيثوروا في يوم واحد على ميعاد ، فيأخذوا الدنيا لإسحاق بن الفضل ، فكان ذلك قد ملا قلب المهدى عليه . قال علي بن محمد النوفلي : فذكر لي بعض خدم المهدى انه كان قائما على رأسه يوما يذب عنه ، إذ دخل يعقوب ، فجثا بين يديه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، قد عرفت اضطراب امر مصر ، وأمرتني ان التمس لها رجلا يجمع امرها ، فلم أزل ارتاد حتى أصبت لها رجلا يصلح لذلك قال : ومن هو ؟ قال : ابن عمك إسحاق بن الفضل ، فرأى يعقوب في وجهه التغير ، فنهض فخرج ، واتبعه المهدى طرفه ، ثم قال : قتلني الله ان لم أقتلك ! ثم رفع رأسه إلى وقال : اكتم على ويلك ! قال : ولم يزل مواليه يحرضونه عليه ويوحشونه منه ، حتى عزم على ازاله النعمة عنه