محمد بن جرير الطبري

15

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فيها وزيرا ، ولا يشاور فيها معينا ، ولا يلتبس عليه شيء اراده ، يمضى قضاؤه فيما أحب العباد وكرهوا ، لا يستطيعون منه امتناعا ، ولا عن أنفسهم دفاعا ، رب الأرض ومن عليها ، له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين . ثم انك قد علمت الحال التي كنا عليها في ولايه الظلمة ، كيف كانت قوتنا وحيلتنا ، لما اجترأ عليه أهل بيت اللعنة فيما أحببنا وكرهنا ، فصبرنا أنفسنا على ما دعونا اليه من تسليم الأمور إلى من أسندوها اليه ، واجتمع رأيهم عليه ، نسام الخسف ، ونوطا بالعسف ، لا ندفع ظلما ، ولا نمنع ضيما ، ولا نعطى حقا ، ولا ننكر منكرا ، ولا نستطيع لها ولا لأنفسنا نفعا ، حتى إذا بلغ الكتاب اجله ، وانتهى الأمر إلى مدته ، واذن الله في هلاك عدوه ، وارتاح بالرحمة لأهل بيت نبيه ص ، فابتعث الله لهم أنصارا يطلبون بثارهم ، ويجاهدون عدوهم ، ويدعون إلى حبهم ، وينصرون دولتهم ، من أرضين متفرقة ، وأسباب مختلفه ، وأهواء مؤتلفه ، فجمعهم الله على طاعتنا ، والف بين قلوبهم بمودتنا على نصرتنا ، وأعزهم بنصرنا ، لم نلق منهم رجلا ، ولم نشهر معهم الا ما قذف الله في قلوبهم ، حتى ابتعثهم لنا من بلادهم ، ببصائر نافذه ، وطاعه خالصه ، يلقون الظفر ، ويعودون بالنصر ، وينصرون بالرعب ، لا يلقون أحدا الا هزموه ، ولا واترا الا قتلوه ، حتى بلغ الله بنا بذلك أقصى مدانا وغاية منانا ومنتهى آمالنا واظهار حقنا ، واهلاك عدونا ، كرامة من الله جل وعز لنا ، وفضلا منه علينا ، بغير حول منا ولا قوه ، ثم لم نزل من ذلك في نعمه الله وفضله علينا ، حتى نشا هذا الغلام ، فقذف الله له في قلوب أنصار الدين الذين ابتعثهم لنا مثل ابتدائه لنا أول أمرنا ، واشرب قلوبهم مودته ، وقسم في صدورهم محبته ، فصاروا