محمد بن جرير الطبري
125
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
وهو في المقصورة التي فيها مجلس الربيع ، فاغلق دونهم المقصورة ، فضربوا الباب بجرزهم وعمدهم ، فهشموا الباب ، وكادوا يكسرونه ، وشتموه أقبح الشتم ، وحصروه هنالك ، واظهر المهدى إنكارا لما فعلوا ، فلم يردعهم ذلك عن فعلهم ، بل شدوا في امره ، وكانوا بذلك هو وهم أياما ، إلى أن كاشفه ذوو الأسنان من أهل بيته بحضره المهدى ، فأبوا الا خلعه ، وشتموه في وجهه ، وكان أشدهم عليه محمد بن سليمان . فلما رأى المهدى ذلك من رأيهم وكراهتهم لعيسى وولايته ، دعاهم إلى العهد لموسى ، فصار إلى رأيهم وموافقتهم ، وألح على عيسى في اجابته وإياهم إلى الخروج مما له من العهد في أعناق الناس وتحليلهم منه ، فأبى ، وذكر ان عليه ايمانا محرجه في ماله وأهله ، فاحضر له من الفقهاء والقضاة عده ، منهم محمد بن عبد الله بن علاثة والزنجي بن خالد المكي وغيرهما ، فاتوه بما رأوا ، وصار إلى المهدى ابتياع ماله من البيعة في أعناق الناس بما يكون له فيه رضا وعوض ، مما يخرج له من ماله لما يلزمه من الحنث في يمينه ، وهو عشره آلاف ألف درهم ، وضياع بالزاب الأعلى وكسكر فقبل ذلك عيسى ، وبقي منذ فاوضه المهدى على الخلع إلى أن أجاب محتسبا عنده في دار الديوان من الرصافة إلى أن صار إلى الرضا بالخلع والتسليم ، وإلى أن خلع يوم الأربعاء لأربع بقين من المحرم بعد صلاه العصر ، فبايع للمهدي ولموسى من بعده من الغد يوم الخميس لثلاث بقين من المحرم لارتفاع النهار ثم اذن المهدى لأهل بيته ، وهو في قبة كان محمد بن سليمان أهداها له مضروبه في صحن الأبواب ، ثم أخذ بيعتهم رجلا رجلا لنفسه ولموسى بن المهدى من بعده ، حتى اتى إلى آخرهم . ثم خرج إلى مسجد الجماعة بالرصافة فقعد على المنبر ، وصعد موسى حتى كأنه دونه وقام عيسى على أول عتبة من المنبر ، فحمد الله المهدى واثنى عليه ، وصلى على النبي ص ، واخبر بما اجمع عليه أهل بيته وشيعته وقواده وأنصاره وغيرهم من أهل خراسان من خلع عيسى بن موسى وتصيير الأمر الذي كان عقد له في أعناق الناس لموسى بن أمير المؤمنين ، لاختيارهم له ورضاهم به ، وما رأى من اجابتهم إلى ذلك ، لما رجا من مصلحتهم وألفتهم ، وخاف مخالفتهم في نياتهم واختلاف كلمتهم ، وان عيسى قد