محمد بن جرير الطبري

111

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

نحن نسير ، إذا رجل خفى الشخص في طمرين ، ونحن بعد في غلس ، قد جاء فدخل بين أعناق دابتينا ، ثم اقبل علينا ، فقال : مات والله الرجل ! ثم خفى عنا ، فمضينا نحن حتى أتينا العسكر ، فدخلنا السرادق الذي كنا نجلس فيه في كل يوم ، فإذا بموسى بن المهدى قد صدر عند عمود السرادق ، وإذا القاسم بن منصور في ناحية السرادق - وقد كان حين لقينا المنصور بذات عرق ، إذا ركب المنصور بعيره جاء القاسم فسار بين يديه بينه وبين صاحب الشرطة ، ويؤمر الناس ان يرفعوا القصص اليه - قال : فلما رايته في ناحية السرادق ورايت موسى مصدرا ، علمت أن المنصور قد مات قال : فبينا انا جالس إذ اقبل الحسن بن زيد ، فجلس إلى جنبي ، فصارت فخذه على فخذي ، وجاء الناس حتى ملئوا السرادق ، وفيهم ابن عياش المنتوف ، فبينا نحن كذلك ، إذ سمعنا همسا من بكاء ، فقال لي الحسن : ا ترى الرجل مات ! قلت : لا احسب ذلك ، ولكن لعله ثقيل ، أو اصابته غشيه ، فما راعنا الا بابى العنبر الخادم الأسود خادم المنصور ، قد خرج علينا مشقوق الأقبية من بين يديه ومن خلفه ، وعلى رأسه التراب ، فصاح : وا أمير المؤمنيناه ! فما بقي في السرادق أحد الا قام على رجليه ، ثم اهووا نحو مضارب أبى جعفر يريدون الدخول ، فمنعهم الخدم ، ودفعوا في صدورهم وقال ابن عياش المنتوف : سبحان الله ! أما شهدتم موت خليفه قط ! اجلسوا رحمكم الله فجلس الناس ، وقام القاسم فشق ثيابه ، ووضع التراب على رأسه ، وموسى جالس على حاله . وكان صبيا رطبا ما يتحلحل . ثم خرج الربيع ، وفي يده قرطاس ، فالقى أسفله على الأرض ، وتناول طرفه ، ثم قرأ : بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى من خلف بعده من بني هاشم وشيعته من أهل خراسان وعامه المسلمين - ثم القى القرطاس من يده ، وبكى وبكى الناس ، فاخذ القرطاس ، وقال : قد أمكنكم البكاء ، ولكن هذا عهد عهده أمير المؤمنين ، لا بد من أن نقرأه عليكم ، فأنصتوا رحمكم الله ، فسكت الناس ، ثم رجع إلى القراءة - اما بعد :