محمد بن جرير الطبري
103
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
بقين من شوال بعد اضاءه الفجر ، وبقي اثره بينا إلى طلوع الشمس ، فأوصاه بالمال والسلطان ، يفعل ذلك كل يوم من أيام مقامه بالغداة والعشى ، لا يفتر عن ذلك ، ولا يفترقان الا تحريكا فلما كان اليوم الذي أراد ان يرتحل فيه ، دعا المهدى ، فقال له : انى لم ادع شيئا الا قد تقدمت إليك فيه ، وساوصيك بخصال والله ما أظنك تفعل واحده منها - وكان له سفط فيه دفاتر علمه ، وعليه قفل لا يامن على فتحه ومفتاحه أحدا ، يصر مفتاحه في كم قميصه قال : وكان حماد التركي يقدم اليه ذلك السفط إذا دعا به ، فإذا غاب حماد أو خرج كان الذي يليه سلمه الخادم - فقال للمهدي : انظر هذا السفط فاحتفظ به ، فان فيه علم آبائك ، ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة ، فان أحزنك امر فانظر في الدفتر الأكبر ، فان أصبت فيه ما تريد ، والا فالثاني والثالث ، حتى بلغ سبعه ، فان ثقل عليك فالكراسه الصغيرة ، فإنك واجد فيها ما تريد ، وما أظنك تفعل ، وانظر هذه المدينة ، فإياك ان تستبدل بها ، فإنها بيتك وعزك ، قد جمعت لك فيها من الأموال ما ان كسر عليك الخراج عشر سنين كان عندك كفاية لارزاق الجند والنفقات وعطاء الذرية ومصلحه الثغور ، فاحتفظ بها ، فإنك لا تزال عزيزا ما دام بيت مالك عامرا ، وما أظنك تفعل وأوصيك باهل بيتك ، ان تظهر كرامتهم وتقدمهم وتكثر الاحسان إليهم ، وتعظم امرهم ، وتوطئ الناس أعقابهم ، وتوليهم المنابر ، فان عزك عزهم وذكرهم لك ، وما أظنك تفعل . وانظر مواليك ، فأحسن إليهم وقربهم واستكثر منهم فإنهم مادتك لشدة ان نزلت بك ، وما أظنك تفعل وأوصيك باهل خراسان خيرا ، فإنهم أنصارك وشيعتك الذين بذلوا أموالهم في دولتك ، ودماءهم دونك ، ومن لا تخرج محبتك من قلوبهم ، ان تحسن إليهم وتتجاوز عن مسيئهم وتكافئهم على ما كان منهم ، وتخلف من مات منهم في أهله وولده ، وما أظنك تفعل . وإياك ان تبنى مدينه الشرقية فإنك لا تتم بناءها ، وما أظنك تفعل وإياك ان