محمد بن جرير الطبري
654
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
أبا زكرياء فحبسه عنده ، فأمره أبو جعفر بقتله ، فقتله بيده حاجب كان لأبي العباس الطوسي يقال له موسى ، على باب الذهب في الرحبه بأمر المنصور ، وامر أبو جعفر بهدم ما شخص من الدور في طريق المدينة ، ووضع الطريق على مقدار أربعين ذراعا ، وهدم ما زاد على ذلك المقدار ، وامر بنقل الأسواق إلى الكرخ . وذكر عن أبي جعفر انه لما امر باخراج التجار من المدينة إلى الكرخ كلمه أبان بن صدقه في بقال ، فأجابه اليه على الا يبيع الا الخل والبقل وحده ، ثم امر ان يجعل في كل ربع بقال واحد على ذلك المثال . وذكر عن علي بن محمد ان الفضل بن الربيع ، حدثه ان المنصور لما فرغ من بناء قصره بالمدينة ، دخله فطاف فيه ، واستحسنه واستنظفه ، واعجبه ما رأى فيه ، غير أنه استكثره ما انفق عليه قال : ونظر إلى موضع فيه استحسنه جدا ، فقال لي : اخرج إلى الربيع فقل له : اخرج إلى المسيب ، فقل له : يحضرني الساعة بناء فارها قال : فخرجت إلى المسيب فأخبرته ، فبعث إلى رئيس البنائين فدعاه ، فأدخله على أبى جعفر ، فلما وقف بين يديه قال له : كيف عملت لأصحابنا في هذا القصر ؟ وكم أخذت من الأجرة لكل الف آجره ولبنه ؟ فبقى البناء لا يقدر على أن يرد عليه شيئا ، فخافه المسيب ، فقال له المنصور : مالك لا تكلم ! فقال : لا علم لي يا أمير المؤمنين ، قال : ويحك ! قل وأنت آمن من كل ما تخافه قال : يا أمير المؤمنين ، لا والله ما أقف عليه ولا اعلمه قال : فاخذ بيده ، وقال له : تعال ، لا علمك الله خيرا ! وادخله الحجرة التي استحسنها ، فأراه مجلسا كان فيها ، فقال له : انظر إلى هذا المجلس وابن لي بإزائه طاقا يكون شبيها بالبيت ، لا تدخل فيه خشا ، قال : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : فاقبل البناء وكل من معه يتعجبون من فهمه بالبناء والهندسة ، فقال له البناء : ما أحسن ان أجيء به على هذا ، ولا أقوم به على الذي تريد ! فقال له : فانا أعينك عليه ، قال : فامر بالأجر والجص ، فجيء به ، ثم اقبل يحصى جميع ما دخل في بناء الطاق من الاجر والجص ، ولم يزل كذلك حتى فرغ منه في يومه وبعض اليوم الثاني ،