محمد بن جرير الطبري
653
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
في كل واحد سوق ، فلم تزل على ذلك مده حتى قدم عليه بطريق من بطارقه الروم وافدا ، فامر الربيع ان يطوف به في المدينة وما حولها ليرى العمران والبناء ، فطاف به الربيع ، فلما انصرف قال : كيف رايت مدينتي - وقد كان اصعد إلى سور المدينة وقباب الأبواب ؟ قال : رايت بناء حسنا ، الا انى قد رايت أعداءك معك في مدينتك ، قال : ومن هم ؟ قال : السوقه ، قال : فاضب عليها أبو جعفر ، فلما انصرف البطريق امر باخراج السوق من المدينة ، وتقدم إلى إبراهيم بن حبيش الكوفي ، وضم اليه جواس بن المسيب اليماني مولاه ، وأمرهما ان يبنيا الأسواق ناحية الكرخ ، ويجعلاها صفوفا وبيوتا لكل صنف ، وان يدفعاها إلى الناس فلما فعلا ذلك حول السوق من المدينة إليها ، ووضع عليهم الغلة على قدر الذرع ، فلما كثر الناس بنوا في مواضع من الأسواق لم يكن رغب في البناء فيها إبراهيم بن حبيش وجواس ، لأنها لم تكن على تقديم الصفوف من أموالهم ، فالزموا من الغلة أقل مما الزم الذين نزلوا في بناء السلطان . وذكر بعضهم ان السبب في نقل أبى جعفر التجار من المدينة إلى الكرخ وما قرب منها مما هو خارج المدينة ، انه قيل لأبي جعفر : ان الغرباء وغيرهم يبيتون فيها ، ولا يؤمن ان يكون فيهم جواسيس ، ومن يتعرف الاخبار ، أو ان يفتح أبواب المدينة ليلا لموضع السوق ، فامر باخراج السوق من المدينة وجعلها للشرط والحرس ، وبنى للتجار بباب طاق الحراني وباب الشام والكرخ . وذكر عن الفضل بن سليمان الهاشمي ، عن أبيه ، ان سبب نقله الأسواق من مدينه السلام ومدينه الشرقية إلى باب الكرخ وباب الشعير وباب المحول ، ان رجلا كان يقال له أبو زكرياء يحيى بن عبد الله ، ولاه المنصور حسبه بغداد والأسواق سنه سبع وخمسين ومائه ، والسوق في المدينة ، وكان المنصور يتبع من خرج مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن ، وقد كان لهذا المحتسب معهم سبب ، فجمع على المنصور جماعه استغواهم من السفله ، فشغبوا واجتمعوا ، فأرسل المنصور إليهم أبا العباس الطوسي فسكنهم ، وأخذ