محمد بن جرير الطبري

276

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ثم افضى الأمر إلى عدو الله الوليد ، المنتهك للمحارم التي لا يأتي مثلها مسلم ، ولا يقدم عليها كافر ، تكرما عن غشيان مثلها فلما استفاض ذلك منه واستعلن ، واشتد فيه البلاء ، وسفكت فيه الدماء ، وأخذت الأموال بغير حقها ، مع أمور فاحشة ، لم يكن الله ليملى للعاملين بها الا قليلا ، سرت اليه مع انتظار مراجعته ، واعذار إلى الله وإلى المسلمين ، منكرا لعمله وما اجترأ عليه من معاصي الله ، متوخيا من الله اتمام الذي نويت ، من اعتدال عمود الدين ، والأخذ في أهله بما هو رضا ، حتى اتيت جندا ، وقد وغرت صدورهم على عدو الله ، لما رأوا من عمله ، فان عدو الله لم يكن يرى من شرائع الاسلام شيئا الا أراد تبديله ، والعمل فيه بغير ما انزل الله ، وكان ذلك منه شائعا شاملا ، عريان لم يجعل الله فيه سترا ، ولا لأحد فيه شكا ، فذكرت لهم الذي نقمت وخفت من فساد الدين والدنيا ، وحضضتهم على تلافى دينهم ، والمحاماة عنه ، وهم في ذلك مستريبون ، قد خافوا ان يكونوا قد ابقوا لأنفسهم بما قاموا عليه ، إلى أن دعوتهم إلى تغييره فأسرعوا الإجابة . فابتعث الله منهم بعثا يخبرهم ، من أولى الدين والرضا ، وبعثت عليهم عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك ، حتى لقى عدو الله إلى جانب قريه يقال لها البخراء ، فدعوه إلى أن يكون الأمر شورى ، ينظر المسلمون لأنفسهم من يقلدونه ممن اتفقوا عليه ، فلم يجب عدو الله إلى ذلك ، وأبى الا تتايعا في ضلالته ، فبدرهم الحمله جهاله بالله ، فوجد الله عزيزا حكيما ، واخذه أليما شديدا ، فقتله الله على سوء عمله وعصبته ، ممن صاحبوه من بطانته الخبيثة ، لا يبلغون عشره ، ودخل من كان معه سواهم في الحق الذي دعوا اليه . فأطفأ الله جمرته وأراح العباد منه ، فبعدا له ولمن كان على طريقته ! أحببت ان أعلمكم ذلك ، واعجل به إليكم ، لتحمدوا الله وتشكروه ، فإنكم قد أصبحتم اليوم على أمثل حالكم ، إذ ولاتكم خياركم ، والعدل مبسوط لكم ، لا يسار فيكم بخلافه ، فأكثروا على ذلك حمد ربكم ، وتابعوا منصور بن جمهور ، فقد ارتضيته لكم ، على أن عليكم عهد الله وميثاقه ، وأعظم ما عهد