محمد بن جرير الطبري

609

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

في أيديهم حتى يأخذوا صلحهم ، فلما بلغهم مسيركم إليهم قتل الترك من كان في أيديهم من الرهائن . قال : وكان فيهم نهشل بن يزيد الباهلي فنجا لم يقتل ، والأشهب بن عبيد الله الحنظلي ، وميعادهم ان يقاتلوهم غدا أو يفتحوا القصر ، فبعث المسيب رجلين : رجلا من العرب ورجلا من العجم من ليلته على خيولهم ، وقال لهم : إذا قربتم فشدوا دوابكم بالشجر ، واعلموا علم القوم فاقبلا في ليله مظلمه ، وقد اجرت الترك الماء في نواحي القصر ، فليس يصل اليه أحد ، ودنوا من القصر ، فصاح بهما الربية ، فقالا : لا تصح وادع لنا عبد الملك ابن دثار ، فدعاه فقالا له : أرسلنا المسيب ، وقد أتاكم الغياث ، قال : اين هو ؟ قال : على فرسخين ، فهل عندكم امتناع ليلتك وغدا ؟ فقال : قد اجمعنا على تسليم نسائنا وتقديمهم للموت امامنا ، حتى نموت جميعا غدا فرجعا إلى المسيب ، فأخبراه فقال المسيب للذين معه : انى سائر إلى هذا العدو ، فمن أحب ان يذهب فليذهب ، فلم يفارقه أحد ، وبايعوه على الموت فسار وقد زاد الماء الذي اجروه حول المدينة تحصينا ، فلما كان بينه وبينهم نصف فرسخ نزل ، فاجمع على بياتهم ، فلما امسى امر الناس فشدوا على خيولهم ، وركب فحثهم على الصبر ، ورغبهم فيما يصير اليه أهل الاحتساب والصبر ، وما لهم في الدنيا من الشرف والغنيمة ان ظفروا ، وقال لهم : اكعموا دوابكم وقودوها ، فإذا دنوتم من القوم فاركبوها ، وشدوا شده صادقه وكبروا ، وليكن شعاركم : يا محمد ، ولا تتبعوا موليا ، وعليكم بالدواب فاعقروها ، فان الدواب إذا عقرت كانت أشد عليهم منكم ، والقليل الصابر خير من الكثير الفشل ، وليست بكم قله ، فان سبعمائة سيف لا يضرب بها في عسكر الا اوهنوه وان كثر أهله