محمد بن جرير الطبري

249

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فرموه بالنبل ، وتحصنا منه ، فأقام ذلك اليوم عليهم ، ثم شخص عنهم ، فقال له أصحابه : ما دون الكوفة أحد يمنعنا ، فنظر فإذا أصحابه قد جرحوا ، فقال لهم : ما عليكم أكثر مما قد فعلتم ، فخرج بهم على نفر ، ثم على الصراة ، ثم على بغداد ، ثم خرج إلى خانيجار فأقام بها . قال : ولما بلغ الحجاج ان شبيبا قد أخذ نحو نفر ظن أنه يريد المدائن - وهي باب الكوفة ، ومن أخذ المدائن كان ما في يده من ارض الكوفة أكثر - فهال ذلك الحجاج ، وبعث إلى عثمان بن قطن ، ودعاه وسرحه إلى المدائن ، وولاه منبرها والصلاة ومعونه جوخى كلها وخراج الاستان . فخرج مسرعا حتى نزل المدائن ، وعزل الحجاج عبد الله بن أبي عصيفير ، وكان بها الجزل مقيما أشهرا يداوى جراحته ، وكان ابن أبي عصيفير يعوده ويكرمه ، فلما قدم عثمان بن قطن المدائن لم يعده ، ولم يكن يتعاهده ولا يلطفه بشيء ، فقال الجزل : اللهم زد ابن عصيفير جودا وكرما وفضلا ، وزد عثمان بن قطن ضيقا وبخلا قال : ثم إن الحجاج دعا عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فقال : انتخب الناس ، واخرج في طلب هذا العدو ، فأمره بنخبه سته آلاف ، فانتخب فرسان الناس ووجوههم ، واخرج من قومه ستمائه من كنده وحضرموت ، واستحثه الحجاج بالعسكر ، فعسكر بدير عبد الرحمن ، فلما أراد الحجاج اشخاصهم كتب إليهم : اما بعد ، فقد اعتدتم عاده الأذلاء ، ووليتم الدبر يوم الزحف ، وذلك دأب الكافرين ، وانى قد صفحت عنكم مره بعد مره ، ومره بعد مره وانى اقسم لكم بالله قسما صادقا لئن عدتم لذلك لأوقعن بكم ايقاعا أكون أشد عليكم من هذا العدو الذي تهربون منه في بطون الأودية والشعاب ، وتستترون منه بأثناء الأنهار والواذ الجبال ، فخاف من له معقول على نفسه ، ولم يجعل عليها سبيلا ، وقد اعذر من انذر وقد أسمعت لو ناديت حيا * ولكن لا حياه لمن تنادى