محمد بن جرير الطبري

90

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

تسللوا من معسكرهم ، فدخلوا الا رجالا من وجوه الناس قليلا ، وترك العسكر خاليا ، فلما رأى ذلك دخل الكوفة ، وانكسر عليه رايه في المسير . قال أبو مخنف عمن ذكره ، عن زيد بن وهب : ان عليا قال للناس - وهو أول كلام قاله لهم بعد النهر : أيها الناس ، استعدوا للمسير إلى عدو في جهاده القربة إلى الله ودرك الوسيلة عنده حيارى في الحق ، جفاه عن الكتاب ، نكب عن الدين ، يعمهون في الطغيان ، ويعكسون في غمره الضلال ، ف أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ ، وتوكلوا على الله ، وكفى بالله وكيلا ، وكفى بالله نصيرا ! قال : فلاهم نفروا ولا تيسروا ، فتركهم أياما حتى إذا ايس من أن يفعلوا ، دعا رؤساءهم ووجوههم ، فسألهم عن رأيهم ، وما الذي ينظرهم ، فمنهم المعتل ، ومنهم المكره ، وأقلهم من نشط فقام فيهم خطيبا ، فقال : عباد الله ، ما لكم إذا أمرتكم ان تنفروا اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ! ا رضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ، وبالذل والهوان من العز ! أو كلما ندبتكم إلى الجهاد دارت أعينكم كأنكم من الموت في سكره ، وكان قلوبكم مالوسه فأنتم لا تعقلون ! وكان أبصاركم كمه فأنتم لا تبصرون لله أنتم ! ما أنتم الا اسود الشرى في الدعة ، وثعالب رواغة حين تدعون إلى الباس . ما أنتم لي بثقه سجيس الليالي ، ما أنتم بركب يصال بكم ، ولا ذي عز يعتصم اليه لعمر الله ، لبئس حشاش الحرب أنتم ! انكم تكادون ولا تكيدون ، ويتنقص أطرافكم ولا تتحاشون ، ولا ينام عنكم وأنتم في غفله ساهون ، ان أخا الحرب اليقظان ذو عقل ، وبات لذل من وادع ، وغلب المتجادلون ، والمغلوب مقهور ومسلوب ثم قال : اما بعد ، فان لي عليكم