محمد بن جرير الطبري
603
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
قال : لما هلك عبد الله بن وال نظرنا ، فإذا عبد الله بن خازم قتيل إلى جنبه ، ونحن نرى انه رفاعة بن شداد البجلي ، فقال له رجل من بنى كنانه يقال له الوليد بن غضين : امسك رأيتك ، قال : لا أريدها ، فقلت له : انا لله ! ما لك ! فقال : ارجعوا بنا لعل الله يجمعنا ليوم شر لهم ، فوثب عبد الله بن عوف بن الأحمر اليه ، فقال : أهلكتنا ، والله لئن انصرفت ليركبن أكتافنا فلا نبلغ فرسخا حتى نهلك من عند آخرنا ، فان نجا منا ناج اخذه الاعراب وأهل القرى ، فتقربوا إليهم به فيقتل صبرا ، أنشدك الله ان تفعل ، هذه الشمس قد طفلت للمغيب ، وهذا الليل قد غشينا ، فنقاتلهم على خيلنا هذه فانا الان ممتنعون ، فإذا غسق الليل ركبنا خيولنا أول الليل فرمينا بها ، فكان ذلك الشان حتى نصبح ونسير ونحن على مهل ، فيحمل الرجل منا جريحه وينتظر صاحبه ، وتسير العشرة والعشرون معا ، ويعرف الناس الوجه الذي يأخذون ، فيتبع فيه بعضهم بعضا ، ولو كان الذي ذكرت لم تقف أم على ولدها ، ولم يعرف رجل وجهه ، ولا اين يسقط ، ولا اين يذهب ! ولم نصبح الا ونحن بين مقتول وماسور فقال له رفاعة بن شداد : فإنك نعم ما رايت ، قال : ثم اقبل رفاعة على الكناني فقال له : ا تمسكها أم آخذها منك ؟ فقال له الكناني : انى لا أريد ما تريد ، انى أريد لقاء ربى ، واللحاق بإخواني ، والخروج من الدنيا إلى الآخرة ، وأنت تريد ورق الدنيا ، وتهوى البقاء ، وتكره فراق الدنيا ، اما والله انى لاحب لك ان ترشد ، ثم دفع اليه الراية ، وذهب ليستقدم فقال له ابن احمر : قاتل معنا ساعة رحمك الله ولا تلق بيدك إلى التهلكة ، فما زال به يناشده حتى احتبس عليه ، وأخذ أهل الشام يتنادون : ان الله قد أهلكهم ، فاقدموا عليهم فافرغوا منهم قبل الليل فأخذوا يقدمون عليهم ، فيقدمون على شوكه شديده ، ويقاتلون فرسانا شجعانا ليس فيهم سقط رجل ، وليسوا لهم بمضجرين فيتمكنوا منهم ، فقاتلوهم حتى العشاء قتالا شديدا ، وقتل الكناني قبل المساء ، وخرج عبد الله بن عزيز الكندي ومعه ابنه محمد غلام صغير ، فقال : يا أهل الشام ، هل فيكم أحد من كنده ؟ فخرج اليه منهم رجال ، فقالوا : نعم ، نحن هؤلاء ،