محمد بن جرير الطبري

604

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فقال لهم : دونكم أخوكم فابعثوا به إلى قومكم بالكوفة ، فانا عبد الله بن عزيز الكندي ، فقالوا له : أنت ابن عمنا ، فإنك آمن ، فقال لهم : والله لا ارغب عن مصارع إخواني الذين كانوا للبلاد نورا ، وللأرض أوتادا ، وبمثلهم كان الله يذكر ، قال : فاخذ ابنه يبكى في اثر أبيه ، فقال : يا بنى ، لو أن شيئا كان آثر عندي من طاعه ربى إذا لكنت أنت ، وناشده قومه الشاميون لما رأوا من جزع ابنه وبكائه في اثره ، واروا الشاميون له ولابنه رقه شديده حتى جزعوا وبكوا ، ثم اعتزل الجانب الذي خرج اليه منه قومه ، فشد على صفهم عند المساء ، فقاتل حتى قتل قال أبو مخنف : حدثني فضيل بن خديج ، قال : حدثني مسلم بن زحر الخولاني ، ان كريب بن زيد الحميري مشى إليهم عند المساء ومعه رايه بلقاء في جماعه ، قلما تنقص من مائه رجل ان نقصت ، وقد كانوا تحدثوا بما يريد رفاعة ان يصنع إذا امسى ، فقام لهم الحميري وجمع اليه رجالا من حمير وهمدان ، فقال : عباد الله ! روحوا إلى ربكم ، والله ما في شيء من الدنيا خلف من رضاء الله والتوبة اليه ، انه قد بلغني ان طائفه منكم يريدون ان يرجعوا إلى ما خرجوا منه إلى دنياهم ، وان هم ركنوا إلى دنياهم رجعوا إلى خطاياهم ، فاما انا فوالله لا أولى هذا العدو ظهري حتى أرد موارد إخواني ، فأجابوه وقالوا : رأينا مثل رأيك ومضى برايته حتى دنا من القوم ، فقال ابن ذي الكلاع : والله انى لأرى هذه الراية حميرية أو همدانيه ، فدنا منهم فسألهم ، فأخبروه ، فقال لهم : انكم آمنون ، فقال له صاحبهم : انا قد كنا آمنين في الدنيا ، وانما خرجنا نطلب أمان الآخرة ، فقاتلوا القوم حتى قتلوا ، ومشى صخير بن حذيفة بن هلال بن مالك المزنى في ثلاثين من مزينه ، فقال لهم : لا تهابوا الموت في الله ، فإنه لاقيكم ، ولا ترجعوا إلى الدنيا التي خرجتم منها إلى الله فإنها لا تبقى لكم ، ولا تزهدوا فيما رغبتم فيه من ثواب الله فان ما عند الله خير لكم ، ثم مضوا فقاتلوا حتى قتلوا ، فلما امسى الناس ورجع أهل الشام إلى معسكرهم ، نظر رفاعة إلى كل رجل قد عقر به ، وإلى