محمد بن جرير الطبري

589

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

قال : فلما خرج سليمان وأصحابه من النخيله دعا سليمان بن صرد حكيم ابن منقذ فنادى في الناس : الا لا يبيتن رجل منكم دون دير الأعور . فبات الناس بدير الأعور ، وتخلف عنه ناس كثير ، ثم سار حتى نزل الاقساس ، اقساس مالك على شاطئ الفرات ، فعرض الناس ، فسقط منهم نحو من الف رجل ، فقال ابن صرد : ما أحب ان من تخلف عنكم معكم ، ولو خرجوا معكم ما زادوكم الا خبالا ، ان الله عز وجل كره انبعاثهم فثبطهم ، وخصكم بفضل ذلك ، فاحمدوا ربكم ثم خرج من منزله ذلك دلجه ، فصبحوا قبر الحسين ، فأقاموا به ليله ويوما يصلون عليه ، ويستغفرون له ، قال : فلما انتهى الناس إلى قبر الحسين صاحوا صيحه واحده ، وبكوا ، فما رئى يوم كان أكثر باكيا منه . قال أبو مخنف : وقد حدث عبد الرحمن بن جندب ، عن عبد الرحمن ابن غزيه ، قال : لما انتهينا إلى قبر الحسين ع بكى الناس بأجمعهم ، وسمعت جل الناس يتمنون انهم كانوا أصيبوا معه ، فقال سليمان : اللهم ارحم حسينا الشهيد ابن الشهيد ، المهدى ابن المهدى ، الصديق ابن الصديق ، اللهم انا نشهدك انا على دينهم وسبيلهم ، وأعداء قاتليهم ، وأولياء محبيهم ثم انصرف ونزل ، ونزل أصحابه . قال أبو مخنف : حدثنا الأعمش ، قال : حدثنا سلمه بن كهيل ، عن أبي صادق ، قال : لما انتهى سليمان بن صرد وأصحابه إلى قبر الحسين نادوا صيحه واحده : يا رب انا قد خذلنا ابن بنت نبينا ، فاغفر لنا ما مضى منا ، وتب علينا انك أنت التواب الرحيم ، وارحم حسينا وأصحابه الشهداء الصديقين ، وانا نشهدك يا رب انا على مثل ما قتلوا عليه ، فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ، قال : فأقاموا عنده يوما وليله يصلون عليه ويبكون ويتضرعون ، فما انفك الناس من يومهم ذلك يترحمون عليه وعلى