محمد بن جرير الطبري
578
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
وحال الناس بالكوفة وهيئتهم ، فأخبره عنهم بصلاح واتساق على طاعه ابن الزبير ، الا ان طائفه من الناس إليهم عدد أهل المصر لو كان لهم رجل يجمعهم على رأيهم اكل بهم الأرض إلى يوم ما ، فقال له المختار : أنا أبو إسحاق انا والله لهم ! انا اجمعهم على مر الحق ، وانفى بهم ركبان الباطل ، واقتل بهم كل جبار عنيد ، فقال له هانئ بن أبي حيه : ويحك يا بن أبي عبيد ! ان استطعت الا توضع في الضلال ليكن صاحبهم غيرك ، فان صاحب الفتنة أقرب شيء أجلا ، وأسوأ الناس عملا ، فقال له المختار : انى لا ادعو إلى الفتنة انما ادعو إلى الهدى والجماعة ، ثم وثب فخرج وركب رواحله ، فاقبل نحو الكوفة حتى إذا كان بالقرعاء لقيه سلمه بن مرثد أخو بنت مرثد القابضى من همدان - وكان من أشجع العرب ، وكان ناسكا - فلما التقيا تصافحا وتساءلا ، فخبره المختار ، ثم قال لسلمه بن مرثد : حدثني عن الناس بالكوفة ، قال : هم كغنم ضل راعيها ، فقال المختار بن أبي عبيد : انا الذي أحسن رعايتها ، وأبلغ نهايتها ، فقال له سلمه : اتق الله واعلم انك ميت ومبعوث ، ومحاسب ومجزى بعملك ان خيرا فخير وان شرا فشر ، ثم افترقا واقبل المختار حتى انتهى إلى بحر الحيرة يوم الجمعة ، فنزل فاغتسل فيه ، وادهن دهنا يسيرا ، ولبس ثيابه واعتم ، وتقلد سيفه ، ثم ركب راحلته فمر بمسجد السكون وجبانة كنده ، لا يمر بمجلس الا سلم على أهله ، وقال : أبشروا بالنصر والفلج ، أتاكم ما تحبون ، واقبل حتى مر بمسجد بنى ذهل وبنى حجر ، فلم يجد ثم أحدا ، ووجد الناس قد راحوا إلى الجمعة ، فاقبل حتى مر ببني بداء ، فوجد عبيده بن عمرو البدى من كنده ، فسلم عليه ، ثم قال : ابشر بالنصر واليسر والفلج ، انك أبا عمرو على رأى حسن ، لن يدع الله لك معه مأثما الا غفره ، ولا ذنبا الا ستره - قال : وكان عبيده من أشجع الناس واشعرهم ، وأشدهم حبا لعلى رضي الله عنه ، وكان لا يصبر عن الشراب - فلما قال له المختار هذا القول قال له عبيده : بشرك الله بخير