محمد بن جرير الطبري
567
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
منهم فإنهم قدموا البصرة وهم مجمعون على رأى أبى بلال . قال هشام : قال أبو مخنف لوط بن يحيى : فحدثني أبو المثنى ، عن رجل من اخوانه من أهل البصرة ، انهم اجتمعوا فقالت العامة منهم : لو خرج منا خارجون في سبيل الله ، فقد كانت منا فتره منذ خرج أصحابنا ، فيقوم علماؤنا في الأرض فيكونون مصابيح الناس يدعونهم إلى الدين ، ويخرج أهل الورع والاجتهاد فيلحقون بالرب ، فيكونون شهداء مرزوقين عند الله احياء . فانتدب لها نافع بن الأزرق ، فاعتقد على ثلاثمائة رجل ، فخرج ، وذلك عند وثوب الناس بعبيد الله بن زياد ، وكسر الخوارج أبواب السجون وخروجهم منها ، واشتغل الناس بقتال الأزد وربيعه وبنى تميم وقيس في دم مسعود بن عمرو ، فاغتنمت الخوارج اشتغال الناس بعضهم ببعض ، فتهيئوا واجتمعوا ، فلما خرج نافع بن الأزرق تبعوه ، واصطلح أهل البصرة على عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب يصلى بهم ، وخرج ابن زياد إلى الشام ، واصطلحت الأزد وبنو تميم ، فتجرد الناس للخوارج ، فاتبعوهم واخافوهم حتى خرج من بقي منهم بالبصرة ، فلحق بابن الأزرق ، الا قليلا منهم ممن لم يكن أراد الخروج يومه ذلك ، منهم عبد الله بن صفار ، وعبد الله ابن اباض ، ورجال معهما على رأيهما ونظر نافع بن الأزرق ورأى ان ولايه من تخلف عنه لا تنبغى ، وان من تخلف عنه لا نجاه له ، فقال لأصحابه : ان الله قد أكرمكم بمخرجكم ، وبصركم ما عمى عنه غيركم ، ا لستم تعلمون انكم انما خرجتم تطلبون شريعته وامره ! فأمره لكم قائد ، والكتاب لكم امام ، وانما تتبعون سننه واثره ، فقالوا : بلى ، فقال : ا ليس حكمكم في وليكم حكم النبي ص في وليه ، وحكمكم في عدوكم حكم النبي ص في عدوه ، وعدوكم اليوم عدو الله وعدو النبي ص ، كما أن عدو النبي ص يومئذ هو عدو الله وعدوكم اليوم ! فقالوا : نعم ، قال : فقد انزل الله تبارك وتعالى : « بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ »