محمد بن جرير الطبري
554
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
قال أبو مخنف : فحدثت سليمان بن أبي راشد بهذا الحديث ، فقال : حدثني حميد بن مسلم ، قال : والله انى لشاهد بهذا اليوم ، يوم ولوا سليمان ابن صرد ، وانا يومئذ لأكثر من مائه رجل من فرسان الشيعة ووجوههم في داره . قال : فتكلم سليمان بن صرد فشدد ، وما زال يردد ذلك القول في كل جمعه حتى حفظته ، بدا فقال : اثنى على الله خيرا ، واحمد آلاءه وبلاءه ، واشهد ان لا إله إلا الله ، وان محمدا رسوله ، اما بعد ، فانى والله لخائف الا يكون آخرنا إلى هذا الدهر الذي نكدت فيه المعيشة ، وعظمت فيه الرزيه وشمل فيه الجور أولى الفضل من هذه الشيعة لما هو خير ، انا كنا نمد أعناقنا إلى قدوم آل نبينا ، ونمنيهم النصر ، ونحثهم على القدوم ، فلما قدموا ونينا وعجزنا ، وادهنا ، وتربصنا ، وانتظرنا ما يكون حتى قتل فينا ولد نبينا وسلالته وعصارته وبضعه من لحمه ودمه ، إذ جعل يستصرخ فلا يصرخ ، ويسال النصف فلا يعطاه ، اتخذه الفاسقون غرضا للنبل ، ودريه للرماح حتى اقصدوه ، وعدوا عليه فسلبوه الا انهضوا فقد سخط ربكم ، ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتى يرضى الله ، والله ما أظنه راضيا دون ان تناجزوا من قتله ، أو تبيروا الا لا تهابوا الموت فوالله ما هابه امرؤ قط الا ذل ، كونوا كالأولى من بني إسرائيل إذ قال لهم نبيهم : « إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ » ، فما فعل القوم ؟ جثوا على الركب والله ، ومدوا الأعناق ورضوا بالقضاء حتى حين علموا انه لا ينجيهم من عظيم الذنب الا الصبر على القتل ، فكيف بكم لو قد دعيتم إلى مثل ما دعى القوم اليه ! اشحذوا السيوف ، وركبوا الأسنة ، « وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ » ، حتى تدعوا حين تدعون وتستنفرون