محمد بن جرير الطبري

52

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

وقد اعتزل القتال ، وهو بعرض ، فأتاه مولى له ، فقال : ان الناس قد اصطلحوا ، فقال : الحمد لله رب العالمين ! قال : قد جعلوك حكما ؟ قال : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ! وجاء أبو موسى حتى دخل العسكر ، وجاء الأشتر حتى اتى عليا فقال : الزنى بعمرو بن العاص ، فوالله الذي لا إله إلا هو ، لئن ملأت عيني منه لأقتلنه ، وجاء الأحنف فقال : يا أمير المؤمنين ، انك قد رميت بحجر الأرض ، وبمن حارب الله ورسوله انف الاسلام ، وانى قد عجمت هذا الرجل وحلبت اشطره فوجدته كليل الشفرة ، قريب القعر ، وانه لا يصلح لهؤلاء القوم الا رجل يدنو منهم حتى يصير في أكفهم ، ويبعد حتى يصير بمنزله النجم منهم ، فان أبيت ان تجعلني حكما ، فاجعلني ثانيا أو ثالثا ، فإنه لن يعقد عقده الا حللتها ، ولن يحل عقده اعقدها الا عقدت لك أخرى احكم منها [ فأبى الناس الا أبا موسى والرضا بالكتاب ، فقال الأحنف : فان أبيتم الا أبا موسى فادفئوا ظهره بالرجال فكتبوا : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما تقاضى عليه على أمير المؤمنين فقال عمرو : اكتب اسمه واسم أبيه ، هو أميركم فاما أميرنا فلا ، وقال له الأحنف : لا تمح اسم اماره المؤمنين ، فانى أتخوف ان محوتها الا ترجع إليك ابدا ، لا تمحها وان قتل الناس بعضهم بعضا ، فأبى ذلك على مليا من النهار ، ثم إن الأشعث بن قيس قال : امح هذا الاسم برحه الله ! فمحى وقال : على : الله أكبر ، سنه بسنه ، ومثل بمثل ، والله انى لكاتب بين يدي رسول الله ص يوم الحديبية إذ قالوا : لست رسول الله ، ولا نشهد لك به ، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك ، فكتبه ، فقال عمرو بن العاص : سبحان الله ! ومثل هذا ان نشبه بالكفار ونحن مؤمنون ! فقال على : يا بن النابغة ، ومتى لم تكن للفاسقين وليا ، وللمسلمين عدوا ! وهل تشبه الا أمك التي وضعت بك ! فقام فقال : لا يجمع بيني وبينك مجلس ابدا بعد هذا اليوم ، فقال له على : وانى لأرجو ان يطهر الله عز وجل مجلسي منك ومن اشباهك وكتب الكتاب ]