محمد بن جرير الطبري

456

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

قال : نظرت إلى تلك النسوة لما مررن بحسين وأهله وولده صحن ولطمن وجوههن قال : فاعترضتهن على فرس ، فما رايت منظرا من نسوه قط كان أحسن من منظر رايته منهن ذلك اليوم ، والله لهن أحسن من مهايبرين . قال : فما نسيت من الأشياء لا انس قول زينب ابنه فاطمه حين مرت بأخيها الحسين صريعا وهي تقول : يا محمداه ، يا محمداه ! صلى عليك ملائكة السماء ، هذا الحسين بالعراء ، مرمل بالدماء ، مقطع الأعضاء ، يا محمداه ! وبناتك سبايا ، وذريتك مقتله ، تسفى عليها الصبا قال : فأبكت والله كل عدو وصديق ، قال : وقطف رؤوس الباقين ، فسرح باثنين وسبعين رأسا مع شمر بن ذي الجوشن وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجاج وعزره بن قيس ، فاقبلوا حتى قدموا بها على عبيد الله بن زياد . قال أبو مخنف : حدثني سليمان بن أبي راشد ، عن حميد بن مسلم ، قال : دعاني عمر بن سعد فسرحنى إلى أهله لأبشرهم بفتح الله عليه وبعافيته ، فأقبلت حتى اتيت أهله ، فأعلمتهم ذلك ، ثم أقبلت حتى ادخل فأجد ابن زياد قد جلس للناس ، وأجد الوفد قد قدموا عليه ، فأدخلهم ، واذن للناس ، فدخلت فيمن دخل ، فإذا راس الحسين موضوع بين يديه ، وإذا هو ينكت بقضيب بين ثنيتيه ساعة ، فلما رآه زيد بن أرقم : لا ينجم عن نكته بالقضيب ، قال له : اعل بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين ، فو الذي لا اله غيره لقد رايت شفتي رسول الله ص على هاتين الشفتين يقبلهما ، ثم انفضخ الشيخ يبكى ، فقال له ابن زياد : ابكى الله عينيك ! فوالله لولا انك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك ، قال : فنهض فخرج ، فلما خرج سمعت الناس يقولون : والله لقد قال زيد بن أرقم قولا لو سمعه ابن زياد لقتله ، قال : فقلت : ما قال ؟ قالوا : مر بنا وهو يقول : ملك عبد عبدا ، فاتخذهم تلدا ، أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم ، قتلتم ابن فاطمه ، وأمرتم ابن مرجانة ، فهو يقتل خياركم ، ويستعبد شراركم ، فرضيتم بالذل ، فبعدا لمن رضى بالذل !