محمد بن جرير الطبري

423

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

عن غلام لعبد الرحمن بن عبد ربه الأنصاري ، قال : كنت مع مولاي ، فلما حضر الناس وأقبلوا إلى الحسين ، امر الحسين بفسطاط فضرب ، ثم امر بمسك فميث في جفنه عظيمه أو صحفه ، قال : ثم دخل الحسين ذلك الفسطاط فتطلى بالنورة قال : ومولاي عبد الرحمن بن عبد ربه وبرير ابن حضير الهمداني على باب الفسطاط تحتك مناكبهما ، فازدحما أيهما يطلى على اثره ، فجعل برير يهازل عبد الرحمن ، فقال له عبد الرحمن : دعنا ، فوالله ما هذه بساعه باطل ، فقال له برير : والله لقد علم قومي انى ما أحببت الباطل شابا ولا كهلا ، ولكن والله انى لمستبشر بما نحن لاقون ، والله ان بيننا وبين الحور العين الا ان يميل هؤلاء علينا بأسيافهم ، ولوددت انهم قد مالوا علينا بأسيافهم قال : فلما فرغ الحسين دخلنا فاطلينا ، قال : ثم إن الحسين ركب دابته ودعا بمصحف فوضعه امامه ، قال : فاقتتل أصحابه بين يديه قتالا شديدا ، فلما رايت القوم قد صرعوا أفلت وتركتهم قال أبو مخنف ، عن بعض أصحابه ، عن أبي خالد الكاهلي ، قال : لما صبحت الخيل الحسين رفع الحسين يديه ، فقال : [ اللهم أنت ثقتي في كل كرب ، ورجائي في كل شده ، وأنت لي في كل امر نزل بي ثقة وعده ، كم من هم يضعف فيه الفؤاد ، وتقل فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ، ويشمت فيه العدو ، أنزلته بك ، وشكوته إليك ، رغبه منى إليك عمن سواك ، ففرجته وكشفته ، فأنت ولى كل نعمه ، وصاحب كل حسنه ، ومنتهى كل رغبه ] . قال أبو مخنف : فحدثني عبد الله بن عاصم ، قال : حدثني الضحاك المشرقي ، قال : لما أقبلوا نحونا فنظروا إلى النار تضطرم في الحطب والقصب الذي كنا الهبنا فيه النار من ورائنا لئلا يأتونا من خلفنا ، إذ اقبل إلينا منهم رجل يركض على فرس كامل الأداة ، فلم يكلمنا حتى مر على أبياتنا ، فنظر إلى أبياتنا فإذا هو لا يرى الا حطبا تلتهب النار فيه ، فرجع راجعا ، فنادى بأعلى صوته : يا حسين ، استعجلت النار في الدنيا قبل يوم القيامة ! [ فقال