محمد بن جرير الطبري

359

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

متبع فيكم امره ، ومنفذ فيكم عهده ، فانا لمحسنكم ومطيعكم كالوالد البر ، وسوطى وسيفي على من ترك امرى ، وخالف عهدي ، فليبق امرؤ على نفسه . الصدق ينبئ عنك لا الوعيد ، ثم نزل فاخذ العرفاء والناس أخذا شديدا ، فقال : اكتبوا إلى الغرباء ، ومن فيكم من طلبه أمير المؤمنين ، ومن فيكم من الحرورية وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والشقاق ، فمن كتبهم لنا فبرئ ، ومن لم يكتب لنا أحدا ، فيضمن لنا ما في عرافته الا يخالفنا منهم مخالف ، ولا يبغى علينا منهم باغ ، فمن لم يفعل برئت منه الذمة ، وحلال لنا ماله وسفك دمه ، وأيما عريف وجد في عرافته من بغيه أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا صلب على باب داره ، وألقيت تلك العرافة من العطاء ، وسير إلى موضع بعمان الزاره . واما عيسى بن يزيد الكناني فإنه قال - فيما ذكر عمر بن شبه ، عن هارون بن مسلم ، عن علي بن صالح ، عنه - قال : لما جاء كتاب يزيد إلى عبيد الله بن زياد ، انتخب من أهل البصرة خمسمائة ، فيهم عبد الله بن الحارث بن نوفل ، وشريك بن الأعور - وكان شيعه لعلى ، فكان أول من سقط بالناس شريك ، فيقال : انه تساقط غمره ومعه ناس - ثم سقط عبد الله ابن الحارث وسقط معه ناس ، ورجوا ان يلوى عليهم عبيد الله ويسبقه الحسين إلى الكوفة ، فجعل لا يلتفت إلى من سقط ، ويمضى حتى ورد القادسية ، وسقط مهران مولاه ، فقال : أيا مهران ، على هذه الحال ، ان أمسكت عنك حتى تنظر إلى القصر فلك مائه الف ، قال : لا ، والله ما أستطيع فنزل عبيد الله فأخرج ثيابا مقطعه من مقطعات اليمن ، ثم اعتجر بمعجره يمانيه ، فركب بغلته ، ثم انحدر راجلا وحده ، فجعل يمر بالمحارس فكلما نظروا اليه لم يشكوا انه الحسين ، فيقولون : مرحبا بك يا بن رسول الله ! وجعل لا يكلمهم ، وخرج اليه الناس من دورهم وبيوتهم ، وسمع بهم النعمان بن بشير فغلق عليه وعلى خاصته ، وانتهى اليه عبيد الله وهو لا يشك انه الحسين ، ومعه الخلق يضجون ، فكلمه النعمان ، فقال : أنشدك