محمد بن جرير الطبري

350

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

كذلك إذ خرج الخبر إلى مذحج ، فإذا على باب القصر جلبه سمعها عبيد الله ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : مذحج ، فقال لشريح : اخرج إليهم فأعلمهم انى انما حبسته لاسائله ، وبعث عينا عليه من مواليه يسمع ما يقول ، فمر بهانىء بن عروه ، فقال له هانئ : اتق الله يا شريح ، فإنه قاتلي ، فخرج شريح حتى قام على باب القصر ، فقال : لا باس عليه ، انما حبسه الأمير ليسائله ، فقالوا : صدق ، ليس على صاحبكم باس ، فتفرقوا ، فاتى مسلما الخبر ، فنادى بشعاره ، فاجتمع اليه أربعة آلاف من أهل الكوفة ، فقدم مقدمته ، وعبى ميمنته وميسرته ، وسار في القلب إلى عبيد الله ، وبعث عبيد الله إلى وجوه أهل الكوفة فجمعهم عنده في القصر ، فلما سار اليه مسلم فانتهى إلى باب القصر أشرفوا على عشائرهم فجعلوا يكلمونهم ويردونهم ، فجعل أصحاب مسلم يتسللون حتى امسى في خمسمائة ، فلما اختلط الظلام ذهب أولئك أيضا . فلما رأى مسلم انه قد بقي وحده يتردد في الطرق اتى بابا فنزل عليه ، فخرجت اليه امراه ، فقال لها : اسقيني ، فسقته ، ثم دخلت فمكثت ما شاء الله ، ثم خرجت فإذا هو على الباب ، قالت : يا عبد الله ، ان مجلسك مجلس ريبه ، فقم ، قال : انى انا مسلم بن عقيل ، فهل عندك مأوى ؟ قالت : نعم ، ادخل ، وكان ابنها مولى لمحمد بن الأشعث ، فلما علم به الغلام انطلق إلى محمد فأخبره ، فانطلق محمد إلى عبيد الله فأخبره ، فبعث عبيد الله عمرو بن حريث المخزومي - وكان صاحب شرطه - اليه ، ومعه عبد الرحمن ابن محمد بن الأشعث ، فلم يعلم مسلم حتى أحيط بالدار ، فلما رأى ذلك مسلم خرج إليهم بسيفه فقاتلهم ، فأعطاه عبد الرحمن الأمان ، فأمكن من يده ، فجاء به إلى عبيد الله ، فامر به فاصعد إلى أعلى القصر فضربت عنقه ، والقى جثته إلى الناس ، وامر بهانىء فسحب إلى الكناسة ، فصلب هنالك ، وقال شاعرهم في ذلك : فان كنت لا تدرين ما الموت فانظري * إلى هانئ في السوق وابن عقيل