محمد بن جرير الطبري
310
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
وجل كتب علينا الجهاد ، فمنا مَنْ قَضى نَحْبَهُ ، ومنا مَنْ يَنْتَظِرُ ، وأولئك الأبرار الفائزون بفضلهم ، ومن يكن منا من ينتظر فهو من سلفنا القاضين نحبهم ، السابقين باحسان ، فمن كان منكم يريد الله وثوابه فليسلك سبيل أصحابه واخوانه يؤته اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ مع الْمُحْسِنِينَ . قال معاذ بن جوين الطائي : يا أهل الاسلام ، انا والله لو علمنا انا إذا تركنا جهاد الظلمة وانكار الجور ، كان لنا به عند الله عذر ، لكان تركه أيسر علينا ، وأخف من ركوبه ، ولكنا قد علمنا واستيقنا انه لا عذر لنا ، وقد جعل لنا القلوب والاسماع حتى ننكر الظلم ، ونغير الجور ، ونجاهد الظالمين ، ثم قال : ابسط يدك نبايعك ، فبايعه وبايعه القوم ، فضربوا على يد حيان بن ظبيان ، فبايعوه ، وذلك في اماره عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي ، وهو ابن أم الحكم ، وكان على شرطته زائده بن قدامه الثقفي . ثم إن القوم اجتمعوا بعد ذلك بأيام إلى منزل معاذ بن جوين بن حصين الطائي فقال لهم حيان بن ظبيان : عباد الله ، أشيروا برأيكم ، اين تأمروني ان اخرج ؟ فقال له معاذ : انى أرى ان تسير بنا إلى حلوان حتى ننزلها ، فإنها كوره بين السهل والجبل ، وبين المصر والثغر - يعنى بالثغر الري - فمن كان يرى رأينا من أهل المصر والثغر والجبال والسواد لحق بنا فقال له حيان : عدوك معاجلك قبل اجتماع الناس إليك ، لعمري لا يتركونكم حتى يجتمعوا إليكم ، ولكن قد رايت ان اخرج معكم في جانب الكوفة والسبخة أو زراره والحيرة ، ثم نقاتلهم حتى نلحق بربنا ، فانى والله لقد علمت أنكم لا تقدرون وأنتم دون المائة رجل ان تهزموا عدوكم ، ولا ان تشتد نكايتكم فيهم ، ولكن متى علم الله انكم قد اجهدتم أنفسكم في جهاد عدوه وعدوكم كان لكم به العذر ، وخرجتم من الإثم قالوا : رأينا رأيك ، فقال لهم عتريس ابن عرقوب أبو سليمان الشيباني : ولكن لا أرى رأى جماعتكم ، فانظروا في رأى لكم ، انى لا اخالكم تجهلون معرفتي بالحرب ، وتجربتى بالأمور ، فقالوا له : اجل ، أنت كما ذكرت ، فما رأيك ؟ قال : ما أرى ان تخرجوا على الناس بالمصر ، انكم قليل في كثير ، والله ما تزيدون على أن تجزروهم أنفسكم ، وتقروا أعينهم بقتلكم ، وليس هكذا تكون المكايده إذ آثرتم ان