محمد بن جرير الطبري

23

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

لما اجتمع اليه عظم من كان انهزم عن الميمنه حرضهم ، ثم قال : عضوا على النواجذ من الأضراس ، واستقبلوا القوم بهامكم ، وشدوا شده قوم موتورين ثارا بابائهم وإخوانهم ، حناقا على عدوهم ، قد وطنوا على الموت أنفسهم كيلا يسبقوا بوتر ، ولا يلحقوا في الدنيا عارا ، وأيم الله ما وتر قوم قط بشيء أشد عليهم من أن يوتروا دينهم ، وان هؤلاء القوم لا يقاتلونكم الا عن دينكم ليميتوا السنة ، ويحيوا البدعة ، ويعيدوكم في ضلاله قد أخرجكم الله عز وجل منها بحسن البصيرة فطيبوا عباد الله أنفسا بدمائكم دون دينكم ، فان ثوابكم على الله ، والله عنده جنات النعيم وان الفرار من الزحف فيه السلب للعز ، والغلبة على الفيء ، وذل المحيا والممات ، وعار الدنيا والآخرة . وحمل عليهم حتى كشفهم ، فالحقهم بصفوف معاوية بين صلاه العصر والمغرب ، وانتهى إلى عبد الله بن بديل وهو في عصبه من القراء بين المائتين والثلثمائه ، وقد لصقوا بالأرض كأنهم جثا فكشف عنهم أهل الشام ، فابصروا إخوانهم قد دنوا منهم ، فقالوا : ما فعل أمير المؤمنين ؟ قالوا : حي صالح في الميسره ، يقاتل الناس امامه ، فقالوا : الحمد لله ، قد كنا ظننا ان قد هلك وهلكتم وقال عبد الله بن بديل لأصحابه : استقدموا بنا ، فأرسل الأشتر اليه : الا تفعل ، أثبت مع الناس فقاتل ، فإنه خير لهم وأبقى لك ولأصحابك فأبى ، فمضى كما هو نحو معاوية ، وحوله كأمثال الجبال ، وفي يده سيفان ، وقد خرج فهو امام أصحابه ، فاخذ كلما دنا منه رجل ضربه فقتله ، حتى قتل سبعه ، ودنا من معاوية فنهض اليه الناس من كل جانب ، وأحيط به وبطائفة من أصحابه ، فقاتل حتى قتل ، وقتل ناس من أصحابه ، ورجعت طائفه قد جرحوا منهزمين ، فبعث الأشتر ابن جمهان الجعفي فحمل على أهل الشام الذين يتبعون من نجا من أصحاب ابن بديل حتى نفسوا عنهم ، وانتهوا إلى الأشتر ، فقال لهم : ا لم يكن رأيي لكم خيرا من رأيكم لأنفسكم ! ا لم آمر كم ان تثبتوا مع الناس ! وكان معاوية قال لابن بديل وهو