محمد بن جرير الطبري
115
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
بعد حق المسلم على المسلم ان ابن عمك كان منه ما قد ذكر لك ، فأجد به ، فاردد عليه رايه ، وعظم عليه ما اتى ، فانى خائف ان فارق أمير المؤمنين ان يقتله نفسه وعشيرته فقال : جزاك الله خيرا من أخ ! فقد نصحت وأشفقت ، ان أراد صاحبي فراق أمير المؤمنين فارقته وخالفته ، وكنت أشد الناس عليه . وانا بعد فانى خال به ، ومشير عليه بطاعة أمير المؤمنين ومناصحته والإقامة معه ، وفي ذلك حظه ورشده . فقمت من عنده ، وأردت الرجوع إلى أمير المؤمنين لا علمه بالذي كان ، ثم اطمأننت إلى قول صاحبي ، فرجعت إلى منزلي فبت به ثم أصبحت ، فلما ارتفع الضحى اتيت أمير المؤمنين ، فجلست عنده ساعة وانا أريد ان أحدثه بالذي كان من قوله لي على خلوه ، فأطلت الجلوس ، فلم يزدد الناس الا كثره ، فدنوت منه ، فجلست وراءه ، فأصغى إلى بأذنيه ، فخبرته بما سمعت من الخريت بن راشد ، وبما قلت له ، وبما رد على ، وبما كان من مقالتي لابن عمه ، وبما رد على ، فقال : دعه ، فان عرف الحق واقبل اليه عرفنا ذلك وقبلنا منه ، وان أبى طلبناه فقلت : يا أمير المؤمنين ، ولم لا تأخذه الان وتستوثق منه وتحبسه ؟ فقال : انا لو فعلنا هذا بكل من نتهمه من الناس ملانا سجننا منهم ، ولا أراه - يعنى الوثوب على الناس والحبس والعقوبة - حتى يظهروا لنا الخلاف قال : فسكت عنه ، وتنحيت ، فجلست مع القوم . ثم مكث ما شاء الله ثم إنه قال : ادن منى ، فدنوت منه ، فقال لي مسرا : اذهب إلى منزل الرجل فاعلم لي ما فعل ، فإنه كل يوم لم يكن يأتيني فيه الا قبل هذه الساعة فأتيت منزله ، فإذا ليس في منزله منهم ديار ، فدعوت على أبواب دور أخرى كان فيها طائفه من أصحابه ، فإذا ليس فيها داع ولا مجيب ، فرجعت فقال لي حين رآني : وطنوا فآمنوا ، أم جنبوا فظعنوا ! [ فقلت : بل ظعنوا فاعلنوا ، فقال : قد فعلوها ! بعدا لهم كما بعدت ثمود ! اما لو قد اشرعت لهم الأسنة وصببت على هامهم السيوف ،