محمد بن جرير الطبري

114

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

تحكيم الحكمين [ فقال له على : ثكلتك أمك ! إذا تعصى ربك ، وتنكث عهدك ، ولا تضر الا نفسك خبرني لم تفعل ذلك ؟ قال : لأنك حكمت في الكتاب ، وضعفت عن الحق إذ جد الجد ، وركنت إلى القوم الذين ظلموا أنفسهم ، فانا عليك زار ، وعليهم ناقم ، ولكم جميعا مباين . فقال له على : هلم ادارسك الكتاب ، وأناظرك في السنن ، وافاتحك أمورا من الحق انا اعلم بها منك ، فلعلك تعرف ما أنت له الان منكر ، وتستبصر ما أنت عنه الان جاهل قال : فانى عائد إليك ، قال : لا يستهوينك الشيطان ، ولا يستخفنك الجهل ، وو الله لئن استرشدتني واستنصحتني وقبلت منى لاهدينك سبيل الرشاد ] . فخرج من عنده منصرفا إلى أهله ، فعجلت في اثره مسرعا وكان لي من بنى عمه صديق ، فأردت ان القى ابن عمه ذلك فاعلمه بشأنه ، ويأمره بطاعة أمير المؤمنين ومناصحته ، ويخبره ان ذلك خير له في عاجل الدنيا وآجل الآخرة فخرجت حتى انتهيت إلى منزله وقد سبقني ، فقمت عند باب داره ، وفي داره رجال من أصحابه لم يكونوا شهدوا معه دخوله على على . قال : فوالله ما جزم شيئا مما قال ، ومما رد عليه ، ثم قال لهم : يا هؤلاء ، انى قد رايت ان أفارق هذا الرجل ، وقد فارقته على أن ارجع اليه من غد ، ولا أراني الا مفارقه من غد فقال له أكثر أصحابه : لا تفعل حتى تأتيه ، فان أتاك بأمر تعرفه قبلت منه ، وان كانت الأخرى فما اقدرك على فراقه . فقال لهم : فنعم ما رأيتم قال : ثم انى استأذنت عليه ، فأذنوا لي ، فدخلت فقلت : أنشدك الله ان تفارق أمير المؤمنين ، وجماعه المسلمين ، وان تجعل على نفسك سبيلا ، وان تقتل من أرى من عشيرتك ! ان عليا لعلى الحق . قال : فانا اغدو اليه فاسمع منه حجته ، وانظر ما يعرض على به ويذكر ، فان رايت حقا ورشدا قبلت ، وان رايت غيا وجورا تركت قال : فخلوت بابن عمه ذلك - قال : وكان أحد نفره الادنين ، وهو مدرك بن الريان ، وكان من رجال العرب - فقلت له : ان لك على حقا لاخائك وودك ذلك على