محمد بن جرير الطبري

78

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

نزل الهرمزان رامهرمز وضاقت عليه الأهواز والمسلمون حلال فيها فيما بين يديه ، طلب الصلح ، وراسل حرقوصا وجزءا في ذلك ، فكتب فيه حرقوص إلى عمر ، فكتب اليه عمر وإلى عتبة ، يأمره ان يقبل منه على ما لم يفتحوا منها على رامهرمز وتستر والسوس وجندي سابور ، والبنيان ومهرجانقذق ، فأجابهم إلى ذلك ، فأقام أمراء الأهواز على ما اسند إليهم ، وأقام الهرمزان على صلحه يجبى إليهم ويمنعونه ، وان غاوره أكراد فارس اعانوه وذبوا عنه . وكتب عمر إلى عتبة ان أوفد على وفدا من صلحاء جند البصرة عشره ، فوفد إلى عمر عشره ، فيهم الأحنف فلما قدم على عمر قال : انك عندي مصدق ، وقد رأيتك رجلا ، فأخبرني ا ان ظلمت الذمة ، المظلمة نفروا أم لغير ذلك ؟ فقال : لا بل لغير مظلمه ، والناس على ما تحب قال : فنعم إذا ! انصرفوا إلى رحالكم فانصرف الوفد إلى رحالهم ، فنظر في ثيابهم فوجد ثوبا قد خرج طرفه من عيبه فشمه ، ثم قال : لمن هذا الثوب منكم ؟ قال الأحنف : لي ، قال : فبكم أخذته ؟ فذكر ثمنا يسيرا ، ثمانية أو نحوها ، ونقص مما كان اخذه به - وكان قد اخذه باثني عشر - قال : فهلا بدون هذا ، ووضعت فضلته موضعا تغنى به مسلما ! حصوا وضعوا الفضول مواضعها تريحوا أنفسكم وأموالكم ، ولا تسرفوا فتخسروا أنفسكم وأموالكم ، ان نظر امرؤ لنفسه وقدم لها يخلف له وكتب عمر إلى عتبة ان اعزب الناس عن الظلم ، واتقوا واحذروا ان يدال عليكم لغدر يكون منكم أو بغى ، فإنكم انما أدركتم بالله ما أدركتم على عهد عاهدكم عليه ، وقد تقدم إليكم فيما أخذ عليكم . فأوفوا بعهد الله ، وقوموا على امره يكن لكم عونا وناصرا . وبلغ عمر ان حرقوصا نزل جبل الأهواز والناس يختلفون اليه ، والجبل كئود يشق على من رامه فكتب اليه : بلغني انك نزلت منزلا كئودا لا تؤتى فيه الا على مشقة ، فاسهل ولا تشق على مسلم ولا معاهد ، وقم في امرك على رجل تدرك الآخرة وتصف لك الدنيا ، ولا تدركنك فتره ولا عجله ، فتكدر دنياك ، وتذهب آخرتك