محمد بن جرير الطبري

351

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

الا والتكبير في نواحي المدينة ، فنزلوا في مواضع عساكرهم ، وأحاطوا بعثمان ، وقالوا : من كف يده فهو آمن . وصلى عثمان بالناس أياما ، ولزم الناس بيوتهم ، ولم يمنعوا أحدا من كلام ، فأتاهم الناس فكلموهم ، وفيهم على ، فقال : ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم ؟ قالوا : أخذنا مع بريد كتابا بقتلنا ، وأتاهم طلحه فقال البصريون مثل ذلك ، وأتاهم الزبير فقال الكوفيون مثل ذلك ، وقال الكوفيون والبصريون : فنحن ننصر إخواننا ونمنعهم جميعا ، كأنما كانوا على ميعاد . فقال لهم على : كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقى أهل مصر ، وقد سرتم مراحل ، ثم طويتم نحونا ؟ هذا والله امر ابرم بالمدينة ! قالوا : فضعوه على ما شئتم ، لا حاجه لنا في هذا الرجل ، ليعتزلنا وهو في ذلك يصلى بهم ، وهم يصلون خلفه ، ويغشى من شاء عثمان وهم في عينه أدق من التراب ، وكانوا لا يمنعون أحدا من الكلام ، وكانوا زمرا بالمدينة ، يمنعون الناس من الاجتماع . وكتب عثمان إلى أهل الأمصار يستمدهم : بسم الله الرحمن الرحيم ، اما بعد ، فان الله عز وجل بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا ، فبلغ عن الله ما امره به ، ثم مضى وقد قضى الذي عليه ، وخلف فينا كتابه ، فيه حلاله وحرامه ، وبيان الأمور التي قدر ، فأمضاها على ما أحب العباد وكرهوا ، فكان الخليفة أبو بكر رضي الله عنه وعمر رضي الله عنه ، ثم أدخلت في الشورى عن غير علم ولا مساله عن ملا من الامه ، ثم اجمع أهل الشورى عن ملا منهم ومن الناس على ، على غير طلب منى ولا محبه ، فعملت فيهم ما يعرفون ولا ينكرون ، تابعا غير مستتبع ، متبعا غير مبتدع ، مقتديا غير متكلف . فلما انتهت الأمور ، وانتكث الشر باهله ، بدت ضغائن وأهواء على غير اجرام ولا تره فيما مضى الا إمضاء الكتاب ، فطلبوا امرا وأعلنوا غيره بغير حجه ولا عذر ، فعابوا على أشياء مما كانوا يرضون ، وأشياء عن ملا من أهل المدينة لا يصلح غيرها ، فصبرت لهم نفسي وكففتها عنهم منذ سنين