محمد بن جرير الطبري
206
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
صبيان لها ، وقدر منصوبه على النار ، وصبيانها يتضاغون ، فقال عمر : السلام عليكم يا أصحاب الضوء - وكره ان يقول : يا أصحاب النار - قالت : وعليك السلام ، قال : ا ادنو ؟ قالت : ادن بخير أو دع ، فدنا فقال : ما بالكم ؟ قالت : قصر بنا الليل والبرد ، قال : فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون ؟ قالت : الجوع ، قال : واى شيء في هذه القدر ؟ قالت : ماء اسكتهم به حتى يناموا ، الله بيننا وبين عمر ! قال : اى رحمك الله ، ما يدرى عمر بكم ! قالت : يتولى أمرنا ويغفل عنا ! فاقبل على ، فقال : انطلق بنا ، فخرجنا نهرول ، حتى أتينا دار الدقيق ، فأخرج عدلا فيه كبه شحم ، فقال : احمله على ، فقلت : انا احمله عنك ، قال : احمله على ، مرتين أو ثلاثا ، كل ذلك أقول : انا احمله عنك ، فقال لي في آخر ذلك : أنت تحمل عنى وزري يوم القيامة ، لا أم لك ! فحملته عليه ، فانطلق وانطلقت معه نهرول ، حتى انتهينا إليها ، فالقى ذلك عندها ، واخرج من الدقيق شيئا ، فجعل يقول لها : ذرى على ، وانا احرك لك ، وجعل ينفخ تحت القدر - وكان ذا لحيه عظيمه - فجعلت انظر إلى الدخان من خلل لحيته حتى انضج وادم القدر ثم أنزلها ، وقال : ابغنى شيئا ، فاتته بصحفه فأفرغها فيها ، ثم جعل يقول : اطعميهم ، وانا اسطح لك ، فلم يزل حتى شبعوا ، ثم خلى عندها فضل ذلك ، وقام وقمت معه ، فجعلت تقول : جزاك الله خيرا ! أنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين ! فيقول : قولي خيرا ، انك إذا جئت أمير المؤمنين وجدتني هناك إن شاء الله ثم تنحى ناحية عنها ، ثم استقبلها وربض مربض السبع ، فجعلت أقول له : ان لك شأنا غير هذا ، وهو لا يكلمني حتى رايت الصبية يصطرعون ويضحكون ثم ناموا وهدءوا ، فقام وهو يحمد الله ، ثم اقبل على فقال : يا اسلم ، ان الجوع اسهرهم وابكاهم ، فأحببت الا انصرف حتى أرى ما رايت منهم . وكان عمر إذا أراد ان يأمر المسلمين بشيء أو ينهاهم عن شيء مما فيه صلاحهم بدا باهله ، وتقدم إليهم بالوعظ لهم ، والوعيد على خلافهم امره