محمد بن جرير الطبري
124
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه لكثرة ولا قله ، هو دينه الذي اظهر ، وجنده الذي أعز ، وأيده بالملائكة ، حتى بلغ ما بلغ ، فنحن على موعود من الله ، والله منجز وعده ، وناصر جنده ، ومكانك منهم مكان النظام من الخرز ، يجمعه ويمسكه ، فان انحل تفرق ما فيه وذهب ، ثم لم يجتمع بحذافيره ابدا والعرب اليوم وان كانوا قليلا فهي كثير عزيز بالإسلام ، فأقم واكتب إلى أهل الكوفة فهم اعلام العرب ورؤساؤهم ، ومن لم يحفل بمن هو اجمع وأحد وأجد من هؤلاء فليأتهم الثلثان وليقم الثلث ، واكتب إلى أهل البصرة ان يمدوهم ببعض من عندهم ] . فسر عمر بحسن رأيهم ، واعجبه ذلك منهم وقام سعد فقال : يا أمير المؤمنين ، خفض عليك ، فإنهم انما جمعوا لنقمه . كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن أبي بكر الهذلي قال : لما أخبرهم عمر الخبر واستشارهم ، وقال : اوجزوا في القول ، ولا تطيلوا فتفشغ بكم الأمور ، واعلموا ان هذا يوم له ما بعده من الأيام ، تكلموا ، فقام طلحه بن عبيد الله - وكان من خطباء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - فتشهد ، ثم قال : اما بعد يا أمير المؤمنين ، فقد احكمتك الأمور ، وعجمتك البلايا ، واحتنكتك التجارب ، وأنت وشانك ، وأنت ورأيك ، لا ننبو في يديك ، ولا نكل عليك ، إليك هذا الأمر ، فمرنا نطع ، وادعنا نجب ، واحملنا نركب ، ووفدنا نفد ، وقدنا ننقد ، فإنك ولى هذا الأمر ، وقد بلوت وجربت واختبرت ، فلم ينكشف شيء من عواقب قضاء الله لك الا عن خيار ثم جلس فعاد عمر فقال : ان هذا يوم له ما بعده من الأيام ، فتكلموا فقام عثمان بن عفان ، فتشهد ، وقال : أرى يا أمير المؤمنين ان تكتب إلى أهل الشام فيسيروا من شامهم ، وتكتب إلى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم ،