محمد بن جرير الطبري
110
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
فسألهم عمر ، فما زالوا يخبرونه حتى مروا بحديث الجاثليق وصاحبه ، فقال : الا أراهما يبصران وأنتم تجاهلون ولا تبصرون ! من قاتلكم فلا أمان له ، ومن لم يقاتلكم فاصابه منكم شيء من أهل القرى فله الأمان في الأيام الخمسة حتى تنصرم ، وبعث في الآفاق حتى رد ذلك السبي الذي سبوا ممن لم يقاتل في الأيام الخمسة الا من قاتل بعد ، فترادوهم الا ما كان من ذلك الضرب ، وحضرت القبط باب عمرو ، وبلغ عمرا انهم يقولون : ما ارث العرب وأهون عليهم أنفسهم ! ما رأينا مثلنا دان لهم ! فخاف ان يستثيرهم ذلك من امرهم ، فامر بجزر فذبحت ، فطبخت بالماء والملح ، وامر أمراء الأجناد ان يحضروا ، واعلموا أصحابهم ، وجلس واذن لأهل مصر ، وجيء باللحم والمرق فطافوا به على المسلمين ، فأكلوا اكلا عربيا ، انتشلوا وحسوا وهم في العباء ولا سلاح ، فافترق أهل مصر وقد ازدادوا طمعا وجراه ، وبعث في أمراء الجنود في الحضور باصحابهم من الغد ، وامرهم ان يجيئوا في ثياب أهل مصر وأحذيتهم ، وامرهم ان يأخذوا أصحابهم بذلك ففعلوا ، واذن لأهل مصر ، فرأوا شيئا غير ما رأوا بالأمس ، وقام عليهم القوام بألوان مصر ، فأكلوا اكل أهل مصر ، ونحوا نحوهم ، فافترقوا وقد ارتابوا ، وقالوا : كدنا وبعث إليهم ان تسلحوا للعرض غدا ، وغدا على العرض ، واذن لهم فعرضهم عليهم ثم قال : انى قد علمت أنكم رأيتم في أنفسكم انكم في شيء حين رأيتم اقتصاد العرب وهون تزجيتهم ، فخشيت ان تهلكوا ، فأحببت ان أريكم حالهم ، وكيف كانت في ارضهم ، ثم حالهم في أرضكم ، ثم حالهم في الحرب ، فظفروا بكم ، وذلك عيشهم ، وقد كلبوا على بلادكم قبل ان ينالوا منها ما رأيتم في اليوم الثاني ، فأحببت ان تعلموا ان من رأيتم في اليوم الثالث غير تارك عيش اليوم الثاني ، وراجع إلى عيش اليوم الأول فتفرقوا وهم يقولون : لقد رمتكم العرب برجلهم . وبلغ عمر ، فقال لجلسائه : والله ان حربه للينه ما لها سطوه ولا سوره كسورات الحروب من غيره ، ان عمرا لعض ثم امره عليها وقام بها . كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن أبي سعيد الربيع ابن النعمان ، عن عمرو بن شعيب ، قال : لما التقى عمرو والمقوقس بعين شمس ،