محمد بن جرير الطبري

514

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فأحجموا عنه ، ونكسوا ، واقبل طليحة حتى غشى العسكر ، وهم على تعبئة ، فافزع الناس ، وجوزوه إلى سعد ، فلما انتهى اليه ، قال : ويحك ما وراءك ! قال : دخلت عساكرهم وجستها منذ الليلة ، وقد أخذت أفضلهم توسما ، وما ادرى أصبت أم أخطأت ! وها هو ذا فاستخبره فأقيم الترجمان بين سعد وبين الفارسي ، فقال له الفارسي : ا تؤمننى على دمى ان صدقتك ؟ قال : نعم ، الصدق في الحرب أحب إلينا من الكذب ، قال : أخبركم عن صاحبكم هذا قبل ان أخبركم عمن قبلي ، باشرت الحروب وغشيتها ، وسمعت بالابطال ولقيتها ، منذ انا غلام إلى أن بلغت ما ترى ، ولم أر ولم اسمع بمثل هذا ، ان رجلا قطع عسكرين لا يجترئ عليهما الابطال إلى عسكر فيه سبعون ألفا ، يخدم الرجل منهم الخمسة والعشرة إلى ما هو دون ، فلم يرض ان يخرج كما دخل حتى سلب فارس الجند ، وهتك اطناب بيته فانذره ، فانذرنا به ، فطلبناه ، فأدركه الأول وهو فارس الناس ، يعدل الف فارس فقتله ، فأدركه الثاني وهو نظيره فقتله ، ثم أدركته ، ولا أظن انني خلفت بعدي من يعدلنى وانا الثائر بالقتيلين ، وهما ابنا عمى ، فرأيت الموت فاستاسرت ثم اخبره عن أهل فارس ، بان الجند عشرون ومائه الف ، وان الاتباع مثلهم خدام لهم واسلم الرجل وسماه سعد مسلما ، وعاد إلى طليحة ، وقال : لا والله ، لا تهزمون ما دمتم على ما أرى من الوفاء والصدق والإصلاح والمؤاساه ، لا حاجه لي في صحبه فارس ، فكان من أهل البلاء يومئذ . كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد بن قيس ، عن موسى بن طريف ، قال : قال سعد لقيس بن هبيرة الأسدي : اخرج يا عاقل ، فإنه ليس وراءك من الدنيا شيء تحنو عليه حتى تأتيني بعلم القوم فخرج وسرح عمرو بن معديكرب وطليحة ، فلما حاذى القنطرة لم يسر الا يسيرا حتى لحق ، فانتهى إلى خيل عظيمه منهم بحيالها ترد عن عسكرهم ، فإذا رستم قد ارتحل من النجف ، فنزل منزل ذي الحاجب ،