محمد بن جرير الطبري
513
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
آخر ، حتى رأوا مسالحهم وسرحهم على الطفوف قد ملئوها ، فقال بعضهم : ارجعوا إلى أميركم فإنه سرحكم ، وهو يرى أن القوم بالنجف ، فأخبروه الخبر ، وقال بعضهم : ارجعوا لا ينذر بكم عدوكم ! فقال عمرو لأصحابه : صدقتم ، وقال طليحة لأصحابه : كذبتم ، ما بعثتم لتخبروا عن السرح ، وما بعثتم الا للخبر قالوا : فما تريد ؟ قال : أريد ان أخاطر القوم أو أهلك ، فقالوا : أنت رجل في نفسك غدر ، ولن تفلح بعد قتل عكاشة ابن محصن ، فارجع بنا ، فأبى واتى سعدا الخبر برحيلهم ، فبعث قيس بن هبيرة الأسدي ، وامره على مائه ، وعليهم ان هو لقيهم فانتهى إليهم وقد افترقوا ، فلما رآه عمرو قال : تجلدوا له ، اروه انهم يريدون الغارة ، فردهم ، ووجد طليحة قد فارقهم فرجع بهم فاتوا سعدا ، فأخبروه بقرب القوم ، ومضى طليحة ، وعارض المياه على الطفوف ، حتى دخل عسكر رستم ، وبات فيه يجوسه وينظر ويتوسم ، فلما ادبر الليل ، خرج وقد اتى أفضل من توسم في ناحية العسكر ، فإذا فرس له لم ير في خيل القوم مثله ، وفسطاط ابيض لم ير مثله ، فانتضى سيفه ، فقطع مقود الفرس ، ثم ضمه إلى مقود فرسه ، ثم حرك فرسه ، فخرج يعدو به ، ونذر به الناس والرجل ، فتنادوا وركبوا الصعبة والذلول ، وعجل بعضهم ان يسرج ، فخرجوا في طلبه ، فأصبح وقد لحقه فارس من الجند ، فلما غشيه وبوا له الرمح ليطعنه عدل طليحة فرسه ، فندر الفارسي بين يديه ، فكر عليه طليحة ، فقصم ظهره بالرمح ، ثم لحق به آخر ، ففعل به مثل ذلك ، ثم لحق به آخر ، وقد رأى مصرع صاحبيه - وهما ابنا عمه - فازداد حنقا ، فلما لحق بطليحه ، وبوا له الرمح ، عدل طليحة فرسه ، فندر الفارسي امامه ، وكر عليه طليحة ، ودعاه إلى الاسئار ، فعرف الفارسي انه قاتله فاستاسر ، وامره طليحة ان يركض بين يديه ، ففعل ولحق الناس فرأوا فارسي الجند قد قتلا وقد أسر الثالث ، وقد شارف طليحة عسكرهم ،