محمد بن جرير الطبري

332

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

مقيم بمكة ، يدعو إلى الله سرا وجهرا ، قد منعه الله بعمه أبى طالب وبمن استجاب لنصرته من عشيرته ، ورأت قريش انهم لا سبيل لهم اليه ، رموه بالسحر والكهانة والجنون ، وانه شاعر ، وجعلوا يصدون عنه من خافوا منه ان يسمع قوله فيتبعه ، فكان أشد ما بلغوا منه حينئذ - فيما ذكر - ما حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمه ، قال : حدثني محمد بن إسحاق ، عن يحيى بن عروه بن الزبير ، عن أبيه عروه ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : قلت له : ما أكثر ما رايت قريشا أصابت من رسول الله ص فيما كانت تظهر من عداوته ! قال : قد حضرتهم وقد اجتمع اشرافهم يوما في الحجر ، فذكروا رسول الله ص فقالوا : ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط ! سفه أحلامنا ، وشتم آباءنا ، وعاب ديننا ، وفرق جماعتنا ، وسب آلهتنا ! لقد صبرنا منه على امر عظيم - أو كما قالوا . فبينا هم كذلك إذ طلع رسول الله ص فاقبل يمشى حتى استلم الركن ، ثم مر بهم طائفا بالبيت ، فلما مر بهم غمزوه ببعض القول . قال : فعرفت ذلك في وجه رسول الله ص ، ثم مضى ، فلما مر بهم الثانية غمزوه مثلها ، فعرفت ذلك في وجهه ، ثم مضى ، ثم مر بهم الثالثة ، فغمزوه بمثلها ، فوقف [ فقال : ا تسمعون يا معشر قريش ! اما والذي نفس محمد بيده ، لقد جئتكم بالذبح ! ] قال : فأخذت القوم كلمته ، حتى ما منهم رجل الا كأنما على رأسه طائر واقع ، وحتى أن أشدهم فيه وصاه قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول ، حتى أنه ليقول : انصرف يا أبا القاسم راشدا ، فوالله ما كنت جهولا !