محمد بن جرير الطبري

138

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

الليالي لم ير أحدا يتحرك ، فقام فجاء بعذره فلطخ بها قبلته ، وجمع جيفا فألقاها فيه فأخبر أبرهة بذلك ، فغضب غضبا شديدا ، وقال : انما فعلت هذا العرب غضبا لبيتهم ، لانقضنه حجرا حجرا وكتب إلى النجاشي يخبره بذلك ، ويسأله ان يبعث اليه بفيله محمود - وكان فيلا لم ير مثله في الأرض عظما وجسما وقوه - فبعث به اليه ، فلما قدم عليه الفيل سار أبرهة بالناس ومعه ملك حمير ، ونفيل بن حبيب الخثعمي ، فلما دنا من الحرم امر أصحابه بالغاره على نعم الناس فأصابوا إبلا لعبد المطلب ، وكان نفيل صديقا لعبد المطلب ، فكلمه في إبله ، فكلم نفيل أبرهة ، فقال : أيها الملك ، قد أتاك سيد العرب وأفضلهم قدرا ، وأقدمهم شرفا ، يحمل على الجياد ، ويعطى الأموال ، ويطعم ما هبت الريح فأدخله على أبرهة ، فقال : حاجتك ! قال : ترد على ابلى ، فقال : ما أرى ما بلغني عنك الا الغرور ، وقد ظننت انك تكلمني في بيتكم الذي هو شرفكم ، فقال عبد المطلب : أردد على ابلى ، ودونك البيت ، فان له ربا سيمنعه فامر برد إبله عليه ، فلما قبضها قلدها النعال ، وأشعرها ، وجعلها هديا ، وبثها في الحرم لكي يصاب منها شيء فيغضب رب الحرم ، وأوفى عبد المطلب على حراء ومعه عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ومطعم بن عدي وأبو مسعود الثقفي ، فقال عبد المطلب : لا هم ان المرء يمنع * رحله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم * ومحالهم غدوا محالك ان كنت تاركهم و * قبلتنا فامر ما بدا لك قال : فأقبلت الطير من البحر أبابيل ، مع كل طير منها ثلاثة أحجار : حجران في رجليه وحجر في منقاره ، فقذفت الحجارة عليهم ، لا تصيب شيئا الا هشمته ، والا نفط ذلك الموضع ، فكان ذلك أول ما كان الجدري والحصبة والأشجار المرة ، فاهمدتهم الحجارة ، وبعث الله سيلا أتيا ، فذهب بهم فألقاهم في البحر