محمد بن جرير الطبري
133
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
على خيل له حتى انتهى إلى مكة ، فساق اليه أموال أهل مكة من قريش وغيرهم ، وأصاب منها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم ، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها ، فهمت قريش وكنانه وهذيل ومن كان بالحرم من سائر الناس بقتاله ، ثم عرفوا انه لا طاقه لهم به ، فتركوا ذلك ، وبعث أبرهة حناطه الحميري إلى مكة ، وقال له : سل عن سيد هذا البلد وشريفهم ، ثم قل له : ان الملك يقول لكم : انى لم آت لحربكم ، انما جئت لهدم البيت ، فإن لم تعرضوا دونه بحرب ، فلا حاجه لي بدمائكم ، فإن لم يرد حربي فاتنى به . فلما دخل حناطه مكة سال عن سيد قريش وشريفها ، فقيل له : عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف بن قصي ، فجاءه فقال له ما امره به أبرهة فقال له عبد المطلب : والله ما نريد حربه ، وما لنا بذلك من طاقه ، هذا بيت الله الحرام ، وبيت خليله إبراهيم - أو كما قال - فان يمنعه فهو بيته وحرمه ، وان يخل بينه وبينه ، فوالله ما عندنا من دفع عنه - أو كما قال له - فقال له حناطه : فانطلق إلى الملك ، فإنه قد أمرني ان آتيه بك - فانطلق معه عبد المطلب ، ومعه بعض بنيه ، حتى اتى العسكر فسال عن ذي نفر - وكان له صديقا - حتى دل عليه ، وهو في محبسه ، فقال له : يا ذا نفر ، هل عندك غناء فيما نزل بنا ؟ فقال له ذو نفر : وما غناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر ان يقتله غدوا أو عشيا ! ما عندي غناء في شيء مما نزل بك الا ان أنيسا سائس الفيل لي صديق ، فسارسل اليه فاوصيه بك ، وأعظم عليه حقك ، واساله ان يستأذن لك على الملك فتكلمه بما تريد ، ويشفع لك عنده بخير ، ان قدر على ذلك قال : حسبي . فبعث ذو نفر إلى أنيس ، فجاء به ، فقال : يا أنيس ، ان عبد المطلب سيد قريش وصاحب عير مكة يطعم الناس بالسهل ، والوحوش في رؤوس الجبال ، وقد أصاب له الملك مائتي بعير فاستأذن له عليه ، وانفعه عنده بما استطعت . قال : افعل ، فكلم أنيس أبرهة فقال : أيها الملك ، هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك ، وهو صاحب عير مكة يطعم الناس بالسهل ، والوحوش في رؤوس الجبال ، فاذن له عليك ، فيكلمك بحاجته وأحسن اليه قال : فاذن له