محمد بن جرير الطبري

مقدمة 6

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

أملى اسمه على التاريخ ، وسار ذكره من الزمان ، واقترن علمه بالثقة والاعتبار . كان مولده بآمل طبرستان ؛ وقد وقع الشك في تاريخ ولادته ، قال بعضهم : ولد آخر سنة أربع وعشرين ومائتين ، وقال بعضهم : أول سنة خمس وعشرين . وسأله أبو بكر بن كامل تلميذه ومؤرخ حياته : كيف وقع الشك في ذلك ؟ فقال : لأن أهل بلدنا يؤرخون بالأحداث دون السنين ؛ فأرخ مولدي بحدث كان ، واختلف المخبرون ، فقال بعضهم سنة أربع ، وقال آخرون : سنة خمس وعشرين ومائتين ( 1 ) . وتحدث أبو جعفر عن أمره في حداثة سنه فقال : " حفظت القرآن ولى سبع سنين ، وصليت بالناس وأنا ابن ثماني سنين ، وكتبت الحديث وأنا ابن تسع " قال : " ورأى لي أبى في النوم أتى بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وكانت معي مخلاة مملوءة حجارة ، وأنا أرمى بين يديه ، فقال له المعتبر : إنه إن كبير نصح في دينه ، وذب عن شريعته . فحرص أبى على معونتى في طلب العلم ، وأنا حينئذ صبي صغير " ( 2 ) . وصحت الرؤيا وصدق التعبير ، وملأ ابن جرير الدنيا فقها وعلما ، وناضل عن السنة وحارب الابتداع . وكان أبوه ورعا تقيا متصونا ؛ إلى يسار يعيش فيه ، وضيعةواسعة يملكها بطبرستان ؛ وما إن أحس من أبى جعفر يقظه في فؤاده ، ورجاحة في عقله ، ونزوعا إلى العلم ، ورغبة في لقاء العلماء ؛ حتى دفعه إلى الرحلة في سبيل العم حيث كان ؛ فرحل عن مسقط رأسه آمل ، ولم تبلغ سنه الثانية عشرة ؛ وكفاه مئونة العيش ومعاناة الرزق ؛ فكان يرسل إليه نفقته حيث حل ، فصانه بذلك عن عطايا الخلفاء واستمناح الملوك والوزراء ، وزهده في مناصب الدولة ، وأعانه على الانقطاع إلى المدارسة والرواية والتصنيف ، بل إنه كان يجي إليه نصيبه مما خلفه أبوه بعد وفاته ؛ وظل ذلك الرزق موصولا بحياته إلى أن مات . وكان أول ما رحل إلى الري وما جاورها من البلاد ، فأخذ عن شيوخها

--> ( 1 ) معجم الأدباء 18 : 48 . ( 2 ) معجم الأدباء 18 : 49 .