محمد بن جرير الطبري
560
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
وقد اجتمع أكثر العرب من أقطار من عربه إلى حضور ، فخندق الفريقان ، وضرب بختنصر كمينا - وذلك أول كمين كان فيما زعم - ثم نادى مناد من جو السماء : يا لثارات الأنبياء ! فاخذتهم السيوف من خلفهم ومن بين أيديهم ، فندموا على ذنوبهم ، فنادوا بالويل ، ونهى عدنان عن بختنصر ونهى بختنصر عن عدنان ، وافترق من لم يشهد حضور ، ومن أفلت قبل الهزيمة فرقتين : فرقه أخذت إلى ريسوب وعليهم عك ، وفرقه قصدت لوبار وفرقه حضر العرب ، قال : وإياهم عنى الله بقوله : « وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً » ، كافرة الأهل ، فان العذاب لما نزل بالقرى وأحاط بهم في آخر وقعه ذهبوا ليهربوا فلم يطيقوا الهرب ، « فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا » انتقامنا منهم « إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ » يهربون ، قد اخذتهم السيوف من بين أيديهم ومن خلفهم « لا تَرْكُضُوا » لا تهربوا « وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ » إلى العيشه على النعم المكفورة « وَمَساكِنِكُمْ » مصيركم « لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ » . فلما عرفوا انه واقع بهم أقروا بالذنوب ، فقالوا : « يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ » ، موتى وقتلى بالسيف فرجع بختنصر إلى بابل بما جمع من سبايا عربه فألقاهم بالأنبار ، فقيل انبار العرب ، وبذلك سميت الأنبار ، وخالطهم بعد ذلك النبط فلما رجع بختنصر مات عدنان وبقيت بلاد العرب خرابا حياه بختنصر ، فلما مات بختنصر خرج معد بن عدنان معه الأنبياء ، أنبياء بني إسرائيل صلوات الله عليهم حتى اتى مكة فأقام اعلامها ، فحج وحج الأنبياء معه ، ثم خرج معد حتى اتى ريسوب فاستخرج أهلها ، وسال عمن بقي من ولد الحارث بن مضاض الجرهمى ، وهو الذي قاتل دوس العتق ، فافنى أكثرهم جرهم على يديه ، فقيل له : بقي جوشم بن جلهمة ، فتزوج معد ابنته معانه ، فولدت له نزار بن معد