محمد بن جرير الطبري

554

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

الله وأمات حماره معه ، وأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد ثم بعثه الله فقال له : « كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ » - يقول لم يتغير - « وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً » . فنظر إلى حماره يتصل بعض إلى بعض - وقد كان مات معه - بالعروق والعصب ، ثم كيف كسى ذلك منه اللحم حتى استوى ، ثم جرى فيه الروح ، فقام ينهق ثم نظر إلى عصيره وتينه ، فإذا هو على هيئته حين وضعه لم يتغير فلما عاين من قدره الله ما عاين ، قال : « أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » ثم عمر الله ارميا بعد ذلك ، فهو الذي يرى بفلوات الأرض والبلدان . ثم إن بختنصر أقام في سلطانه ما شاء الله ان يقيم ، ثم رأى رؤيا ، فبينما هو قد اعجبه ما رأى إذ رأى شيئا اصابه فأنساه الذي كان رأى ، فدعا دانيال ، وحنانيا وعزاريا ، وميشايل من ذراري الأنبياء ، فقال : أخبروني عن رؤيا رايتها ، ثم أصابني شيء فانسانيها ، وقد كانت أعجبتني ما هي ؟ قالوا له : أخبرنا بها نخبرك بتأويلها ، قال : ما اذكرها ، وان لم تخبرونى بتأويلها لانزعن أكتافكم فخرجوا من عنده ، فدعوا الله واستغاثوا وتضرعوا اليه ، وسألوه ان يعلمهم إياها ، فأعلمهم الذي سألهم عنه ، فجاءوه فقالوا له : رايت تمثالا ؟ قال : صدقتم ، قالوا : قدماه وساقاه من فخار ، وركبتاه وفخذاه من نحاس ، وبطنه من فضه ، وصدره من ذهب ، ورأسه وعنقه من حديد . قال : صدقتم قالوا : فبينما أنت تنظر اليه قد أعجبك ، فأرسل الله عليه صخره من السماء فدقته ، فهي التي انستكها قال : صدقتم ، فما تأويلها ؟ قالوا : تأويلها انك أريت ملك الملوك ، فكان بعضهم الين ملكا من بعض ، وبعضهم كان أحسن ملكا من بعض ، وبعضهم كان أشد ملكا من بعض ،