محمد بن جرير الطبري
552
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
الا وقد أتيتها إليهم وأفضل من ذلك فقال النبي : ارجع إلى أهلك فأحسن إليهم ، واسال الله الذي يصلح عباده الصالحين ان يصلح ذات بينكم ، وان يجمعكم على مرضاته ، ويجنبكم سخطه فقام الملك من عنده فلبث أياما وقد نزل بختنصر وجنوده حول بيت المقدس بأكثر من الجراد ، ففزع منهم بنو إسرائيل فزعا شديدا ، وشق ذلك على ملك بني إسرائيل فدعا ارميا فقال : يا نبي الله ، اين ما وعدك الله ؟ فقال : انى بربي واثق ثم إن الملك اقبل إلى ارميا وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك ويستبشر بنصر ربه الذي وعده ، فقعد بين يديه ، فقال له ارميا : من أنت ؟ قال : انا الذي كنت اتيتك في شان أهلي مرتين ، فقال له النبي : ا ولم يأن لهم ان يفيقوا من الذي هم فيه ! فقال الملك : يا نبي الله ، كل شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت اصبر عليه ، واعلم أن مالهم في ذلك سخطي ، فلما أتيتهم اليوم رايتهم في عمل لا يرضاه الله ولا يحبه ، قال له النبي : على اى عمل رايتهم ؟ قال : يا نبي الله ، رايتهم على عمل عظيم من سخط الله ، فلو كانوا على مثل ما كانوا عليه قبل اليوم ، لم يشتد غضبى عليهم ، وصبرت لهم ورجوتهم ، ولكني غضبت اليوم لله ولك ، فأتيتك لأخبرك خبرهم ، وانى أسألك بالله الذي هو بعثك بالحق الا ما دعوت عليهم ان يهلكهم الله قال ارميا : يا ملك السماوات والأرض ، ان كانوا على حق وصواب فابقهم ، وان كانوا على سخطك وعمل لا ترضاه فأهلكهم . فلما خرجت الكلمة من في ارميا ارسل الله عز وجل صاعقه من السماء في بيت المقدس فالتهب مكان القربان ، وخسف بسبعه أبواب من أبوابها . فلما رأى ذلك ارميا صاح وشق ثيابه ، ونبذ التراب على رأسه ، وقال : يا ملك السماء ويا ارحم الراحمين ، اين ميعادك الذي وعدتني ! فنودي : يا ارميا ، انه لم يصبهم الذي أصابهم الا بفتياك التي أفتيت بها رسولنا فاستيقن النبي انها