محمد بن جرير الطبري
529
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
بهؤلاء القوم ؟ وما ادرى ما قدر قلتهم في كثرتنا ؟ انى لاستقلهم عن المحاربة ، وأرى الا أقاتلهم . فأرسل زرح إلى اسا فقال له : اين صديقك الذي كنت تعدنا به ، وتزعم أنه يخلصك مما يحل بكم من سطواتى ! ا فتضعون أيديكم في يدي فامضى فيكم حكمي ، أو تلتمسون قتالي ! فأجابه اسا فقال : يا شقي ، انك لست تعلم ما تقول ، ولست تدرى ! ا تريد ان تغالب ربك بضعفك ، أم تريد ان تكاثره بقلتك ؟ هو أعز شيء وأعظمه ، وأغلب شيء واقهره ، وعباده أذل وأضعف عنده من أن ينظروا اليه معاينه هو معي في موقفي هذا ، ولن يغلب أحد كان الله معه . فاجتهد يا شقي بجهدك حتى تعلم ما ذا يحل بك . فلما اصطف قوم زرح وأخذوا مراتبهم ، امر زرح الرماه من قومه ان يرموهم بنشابهم فبعث الله ملائكة من كل سماء - والله اعلم - عونا لاسا وقومه ، ومادة له ، فوقفهم اسا في مواقفهم ، فلما رموا نشابهم ، حال المشركون بين ضوء الشمس وبين الأرض ، كأنها سحابه طلعت فنحتها الملائكة عن اسا وقومه ، ثم رمت بها الملائكة قوم زرح فأصابت كل رجل منهم نشابته التي رمى بها ، فقتل رماتهم بها كلها واسا وقومه في كل ذلك يحمدون الله كثيرا ، ويعجون اليه بالتسبيح ، وتراءت الملائكة لهم - والله اعلم - فلما رآهم الشقي زرح وقع الرعب في قلبه ، وسقط في يده ، وقال : ان اسا لعظيم كيده ، ماض سحره ، وكذلك بنو إسرائيل ، حيث كانوا لا يغلب سحرهم ساحر ، ولا يطيق مكرهم عالم ، وانما تعلموه من مصر ، وبه ساروا في البحر ، ثم نادى الهندي في قومه : ان سلوا سيوفكم ، ثم احملوا عليهم حمله واحده . فدقوهم . فسلوا سيوفهم ثم حملوا على الملائكة فقتلتهم الملائكة ، فلم يبق منهم غير زرح ونسائه ورقيقه