محمد بن جرير الطبري

530

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فلما رأى ذلك زرح ولى مدبرا فارا هو ومن معه ، وهو يقول : ان اسا ظهر علانية ، وأهلكني صديقه سرا ، وانى كنت انظر إلى اسا ومن معه واقفين لا يقاتلون والحرب واقعه في قومي فلما رأى اسا ان زرحا قد ولى مدبرا قال : اللهم ان زرحا قد ولى مدبرا ، وانك ان لم تحل بيني وبينه استنفر علينا قومه ثانيه فأوحى الله إلى اسا : انك لم تقتل من قتل منهم ولكني قتلتهم ، فقف مكانك ، فانى لو خليت بينك وبينهم اهلكوكم جميعا ، انما يتقلب زرح في قبضتي ، ولن ينصره أحد منى ، وانا لزرح بالمكان الذي لا يستطيع صدودا عنه ولا تحويلا ، وانى قد وهبت لك ولقومك عساكره وما فيها من فضه ومتاع ودابه ، فهذا اجرك إذ اعتصمت بي ، ولا التمس منك اجرا على نصرتك ! فسار زرح حتى اتى البحر يريد بذلك الهرب ، ومعه مائه الف ، فهيئوا سفنهم ثم ركبوا فيها ، فلما ساروا في البحر بعث الله الرياح من أطراف الأرضين والبحار إلى ذلك البحر واضطربت من كل ناحية أمواجه ، وضربت السفن بعضها بعضا حتى تكسرت ، فغرق زرح ومن كان معه ، واضطربت بهم الأمواج حتى فزع لذلك أهل القرى حولهم ، ورجفت الأرض ، فبعث اسا من يعلمه علم ذلك ، فأوحى الله اليه - والله اعلم - ان اهبط أنت وقومك أهل قراكم ، فخذوا ما غنمكم الله بقوة ، وكونوا فيه من الشاكرين ، فانى قد سوغت كل من أخذ من هذه العساكر شيئا ما اخذه فهبطوا يحمدون الله ويقدسونه ، فنقلوا تلك العساكر إلى قراهم ثلاثة اشهر والله اعلم . ثم ملك بعده يهوشافاظ بن اسا إلى أن هلك خمسا وعشرين سنه